📁عاااااااااجل

خريف الذات: حين يكون السقوط بداية للتحليق

 خريف الذات
: حين تسقط أوراق الماضي لتزهر الأحلام

خريف الذات


بقلم: باهر رجب 

عندما تأتي لحظات التغيير الكبرى في حياة الإنسان، لا نجد لها شبيها في الطبيعة أصدق من فصل الخريف. ذلك الفصل الذي يرتدي ثوب الحكمة، ويقف برزانة بين صخب الصيف وعنفوان الشتاء، ليعلمنا درسا بليغا في فلسفة التخلي من أجل التحلي.

إن التغيير ليس مجرد قرار نتخذه بمناسبة تقويم زمني جديد، بل هو حالة وجدانية تشبه تماما ما تفعله الأشجار حين تشعر ببرودة النسمات الأولى.


فلسفة السقوط.. شجاعة التخلي

في الخريف، لا تسقط الأوراق لأنها ضعيفة، بل لأن الشجرة أدركت بذكائها الفطري أنها لا تستطيع العبور إلى الموسم القادم وهي تحمل كل هذا العبء. وكذلك هو الإنسان. لكي يستقبل عاما جديدا، عليه أن يمتلك شجاعة "النفض".

تسقط أوراق الماضي، تلك التي جفت فيها روح الشغف، والأفكار التي لم تعد تناسب نضجنا الحالي، و العلاقات التي استنزفت ألواننا. هذا السقوط ليس خسارة، بل هو عملية إخلاء مساحة. إن تلك الأوراق التي تفرش الأرض تحت أقدامنا هي في الحقيقة "سماد" الروح. فمن تجاربنا المنتهية و خيباتنا الراحلة، نغذي جذورنا لنقف أكثر ثباتا في وجه العواصف القادمة.


عتبة العام الجديد: طريق مفروش بالتحولات

بينما يرى البعض في تساقط الأوراق نهاية، يراها المتأمل تمهيدا ملكيا لطريق البدايات. إننا ونحن نخطو نحو عام جديد، نمر فوق ذكرياتنا القديمة لا لنطأها، بل لنرتفع فوقها. التغيير هنا هو الجسر الذي ينقلنا من ضفة "ما كنا عليه" إلى ضفة "ما نطمح أن نكونه".

هذا الطريق الذي تفرشه الأوراق المتساقطة يمنحنا فرصة فريدة للمشي بهدوء، للتفكير في خطوتنا القادمة، ولإدراك أن التعري من القديم هو أولى خطوات ارتداء الجديد. العام الجديد ليس مجرد أرقام تتغير على الشاشة، بل هو مساحة بيضاء شاسعة تنتظر صرخة الميلاد الأولى لأحلامنا.


أحلام قيد الولادة وفرص لا تنضب

كل عام يطل علينا يحمل في طياته "حقيبة من الاحتمالات". هناك أحلام ظلت حبيسة الأدراج، وأمنيات كانت تنتظر اللحظة التي نتحرر فيها من خوفنا. ومع رحيل خريف التغيير، تبدأ هذه الأحلام بالتململ في أعماقنا، تماما كالبذور التي تختبئ تحت الأرض، تنتظر دورة الحياة لتبزغ من جديد.

إن الفرص الجديدة لا تطرق أبواب الغارقين في حنين الماضي، بل تذهب لأولئك الذين جردوا أغصانهم من كل ما يعيق نموهم. هي فرص ولدت من رحم التغيير، تحمل معها وعوداً بالدهشة، وعهداً بأن القادم أجمل مادمنا قد سمحنا لما انتهى بأن يمضي بسلام.


خاتمة الوجدان

التغيير هو خريف الروح الضروري، هو تلك الوقفة الصادقة أمام المرآة لنقول للماضي "شكرا" و للمستقبل "أهلاً". فلنجعل من سقوط أوراقنا القديمة سجادة حمراء نمشي عليها نحو عامنا الجديد، محملين باليقين بأن كل ورقة سقطت ستنبت مكانها زهرة، وأن كل حلم نودعه يفسح المجال لواقع أجمل ينتظر أن يولد.

تعليقات