📁عاااااااااجل

حين نمتلك المعرفه - ونخسر الوعي

بقلم / أسماء أحمد محمد علي
جيلٌ يملك العالم بين يديه، لكنه يواجه خطر الأمية الرقمية.
لم يعد المكان اليوم يُقاس بالمسافة، بل بقدرتنا على الوصول. فمن خلال جهازٍ صغير نحمله في أيدينا، أصبح العالم مفتوحًا على مصراعيه؛ نافذة واحدة قد تقودنا إلى المعرفة، أو تدفعنا إلى التفاهة.
نحن أمام خيارين لا ثالث لهما:
إمّا أن نستثمر هذا الانفتاح في بناء عقولٍ واعية وحياةٍ عامرة بالعلم والثقافة،
وإمّا أن نختبئ خلف ألقابٍ زائفة وصورٍ براقة، نصنع منها أوهامًا ونتخذها قدوة.
وللأسف، انجرفت أجيالنا الأخيرة خلف موجة من المحتويات السطحية، حتى تحولت إلى ظاهرة تُصدَّر للشباب وكأنها النموذج الأمثل للنجاح.
لقد أُسيء استخدام هذه الوسائل في التعليم والتربية؛ فبدلًا من أن تكون أداة لتطوير المناهج ودعم الطلاب، أصبحت سببًا في تشتيت العقول وإهدار الوقت. ولم يقتصر الأمر على المدن وحدها، بل امتد إلى الأرياف أيضًا، حيث انشغل شبابها بما يُقدَّم على منصات مثل “تيك توك” و”البث المباشر”، على حساب العلم والمعرفة.
وخلال استجوابٍ أجرَيتُه مع مجموعة من الطلاب، وجدت أن معظمهم يعرف تفاصيل دقيقة عن مشاهير الإنترنت، لكن حين سألتهم عن صحابة النبي ﷺ، أو قصص الأنبياء، أو حتى عن معالم هويتنا الإسلامية، قوبلتُ بصمتٍ طويل وإجاباتٍ غائبة.
مشهدٌ مؤلم يعكس الفجوة الحقيقية بين ما هو متاح من علم، وما يُستثمر منه بالفعل.
في الماضي، ورغم بساطة الإمكانيات، كان الوعي بقيمة التعليم حاضرًا بقوة؛ تعلّمنا القرآن في المدارس، وحفظناه في الكُتّاب، واستمعنا إلى قصص الأنبياء، فخرجت من بيننا أجيال من العلماء والأدباء والمشايخ الذين تركوا أثرهم في الأمة.
أما اليوم، ورغم أن المعرفة صارت على بُعد ضغطة زر، فإن التفاهة أصبحت الخيار الأسهل والأكثر انتشارًا.
إننا بحاجةٍ ماسّة إلى موجّهٍ حقيقي، ومعلّمٍ واعٍ قادر على غرس روح المنافسة وحب المعرفة في نفوس الطلاب، وإلى مجتمعٍ يُدرك أن أبناءه يقفون على حافة خطرٍ حقيقي إن تُركوا فريسة للجهل الرقمي.
فالمعركة اليوم لم تعد ضد الأمية التقليدية في القراءة والكتابة، بل ضد أميةٍ رقمية تُهدد وعي أجيالٍ كاملة، في زمنٍ يظن فيه الجميع أنه يعرف كل شيء.
تعليقات