بقلم: إيمان المهدى
لكن خلف هذا التماسك، توجد مشكلات متجذرة لا يمكن تجاهلها، على رأسها الهيمنة الذكورية، التي لا يمارسها الرجال فقط، بل أحيانًا تُكرّسها النساء أنفسهن، حين يُبرَّر خطأ الابن لأنه “ولد”، بينما تُحاسَب البنت على أبسط تصرفاتها.
في كثير من القرى، تُراقَب الفتاة أكثر من الشاب، وتُحاسَب بدقة مضاعفة، بينما يُمنح الولد مساحة أوسع للخطأ والتجربة. ولا تزال فكرة أن مكان البنت الأساسي هو البيت مسيطرة على عقول كثيرة، فتُختزل أدوارها في الطاعة والخدمة، ويُنظر لطموحها باعتباره عبئًا لا ضرورة له.
تعليم الفتاة في بعض القرى لا يُعد أولوية، حيث يُقدَّم الزواج على التعليم، وكأن مستقبل البنت ينتهي عند بيت الزوجية، لا عند العلم أو العمل أو الاختيار.
ويزداد الأمر تعقيدًا مع ضعف صوت الفتاة داخل المجتمع الريفي، فرأيها لا يُؤخذ بجدية، واعتراضها يُفسَّر على أنه خروج عن العرف.
وتتعرض الفتاة لضغط مضاعف إذا تأخر زواجها، إذ يُنظر إلى الأمر كعيب يُحسب عليها وحدها، رغم أن النصيب بيد الله، والتأخير لا يُعد نقصًا أو خطأ.
في المقابل، لا يُحاسَب الشاب على تأخر زواجه، في ازدواجية واضحة في المعايير.
ولا تزال بعض القرى تواجه مشكلة زواج القاصرات، حيث تُجبر الفتيات على الزواج قبل أن تبلغن السن القانوني أو قبل أن يكتمل نضجهن الجسدي والنفسي.
هذا الزواج المبكر لا يمنح الفتاة حقها في التعليم أو الطفولة الطبيعية، بل يُحصرها في أدوار منزلية ومسؤوليات كبيرة قبل أن تكون مستعدة لها.
الأضرار هنا جسدية ونفسية: مخاطر الحمل المبكر، ضعف الصحة العامة، تعرض الفتاة للإيذاء، وفقدان الثقة بالنفس، إضافة إلى محدودية الفرص الاقتصادية والاجتماعية.
في الغالب، تُحمَّل الفتاة وحدها تبعات الفشل أو الخلافات الزوجية، بينما يُعفى الزوج والبيئة المحيطة من المساءلة.
ومن أخطر القضايا التي لا تزال موجودة في بعض القرى، ختان الإناث، الذي يُمارَس باسم العادة أو الخوف، رغم تجريمه قانونًا ورفضه دينيًا، وما يسببه من أذى جسدي ونفسي عميق.
كما لا يمكن تجاهل العنف الواقع على الفتيات، سواء كان لفظيًا أو جسديًا، ويُبرَّر أحيانًا بالتربية أو الحفاظ على السمعة، بينما هو في حقيقته انتهاك صريح للكرامة الإنسانية.
في النهاية، الريف ليس سيئًا بطبيعته، ولا العادات كلها خاطئة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول التقاليد إلى قيود، وتُستخدم لقمع البنات بدل حمايتهن.
فالعدل لا يفسد القيم، وتمكين الفتاة لا يهدد المجتمع، بل يصنع قرى أكثر وعيًا، وأسرًا أكثر رحمة، ومستقبلًا أكثر توازنًا.
