الإصغاء الغائب: عن الفوضى السلوكية في الفضاءات الثقافية
حسن غريب
ناقد باحث مصري
ليست الفضاءات الثقافية ـ من أمسيات شعرية، وندوات أدبية، وجلسات مناقشة كتب وبحوث ـ مجرد أماكن لتبادل الأدوار بين متحدث ومستمع، بل هي، في أصلها، مساحات لاختبار الوعي الجمعي، والرقي الإنساني، واحترام الكلمة بوصفها جهدًا ومعنى ومسؤولية. غير أن ما يتكرر في بعض هذه الفعاليات يكشف عن خلل سلوكي متنامٍ، يفرغ الحدث الثقافي من جوهره، ويحوّله إلى طقس شكلي تحكمه الأنا أكثر مما تحكمه الثقافة.
من أكثر المشاهد إرباكًا أن يعتلي شاعر أو كاتب المنصة، مطالبًا القاعة بالصمت التام، ومؤكدًا قدسية اللحظة الإبداعية، ثم لا يلبث أن ينسحب فور انتهاء فقرته، مصطحبًا مرافقيه، غير معني بما يُلقى بعده. كأن الإصغاء حقٌّ شخصي لا قيمة مشتركة، وكأن وجود الآخرين لا يُستدعى إلا بوصفهم جمهورًا مؤقتًا.
هذا التناقض لا يقف عند الأمسيات الشعرية وحدها، بل يتكرر بوضوح أثناء مناقشة مجموعة قصصية، أو رواية، أو كتاب فكري، أو بحث علمي. ففي لحظة يفترض أن تكون ذروة الحوار، ينشغل بعض الحضور بالهواتف، أو ينخرطون في أحاديث جانبية، أو يغادرون القاعة بلا اكتراث، بينما يُقدّم ناقد أو باحث قراءة جادة للعمل. والمفارقة المؤلمة أن بعض من يمارسون هذا السلوك هم أنفسهم من يطالبون بنقاش عميق واحترام صارم لأعمالهم الخاصة.
ويزداد هذا المشهد إيلامًا عندما يحدث داخل قاعة الشعر في معرض القاهرة الدولي للكتاب، ذلك الفضاء الذي يفترض أن يكون واجهة للثقافة العربية، وصورة تليق بتاريخ مصر ودورها الثقافي. المؤسف أن هذه السلوكيات لا تُمارَس أحيانًا أمام جمهور محلي فحسب، بل في حضور ضيوف من الشعراء والشاعرات القادمين من خارج مصر، من مختلف أقطار الوطن العربي، فيغادر بعضهم القاعة بانطباع مرتبك، لا عن النصوص وحدها، بل عن أخلاقيات الحضور الثقافي ذاتها.
ولا تقل خطورة عن ذلك مظاهر الفوضى داخل القاعة: أصوات مرتفعة أثناء الإلقاء، ضحكات في غير موضعها، مكالمات هاتفية لا تُغلق، أو حديث جانبي يعلو فوق القصيدة أو المداخلة النقدية. هذه التفاصيل، وإن بدت عابرة، تكشف في عمقها غياب حسّ الذوق العام، وتراجع قيمة الاحترام الإنساني للكلمة ولمن ينطق بها.
والمفارقة الأشد بؤسًا أن بعضهم، ما إن يواجه جملة محكمة أو بناءً لغويًا متماسكًا، حتى يسارع إلى نزع النص من كاتبه، والتشكيك في إنسانيته، كأن الإتقان لم يعد ممكنًا، وكأن اللغة العربية صارت موضع اتهام كلما أحسنت الوقوف على قدميها. لم يعد السؤال: هل الفكرة عميقة؟ بل: من كتبها؟ ولم يعد الحكم معرفيًا أو أخلاقيًا، بل اتهامًا مجانيًا يريح العجز أكثر مما يكشف الحقيقة.
الإصغاء، في جوهره، ليس مجاملة اجتماعية، ولا التزامًا بروتوكوليًا، بل فعل أخلاقي يعكس احترام الآخر، وتقدير الجهد الإبداعي والفكري المبذول. ومن لا يحتمل الإصغاء، لا يملك أخلاقيًا أن يطالب الآخرين بالإنصات له.
إن الأمسيات الشعرية، وندوات مناقشة الكتب، وجلسات عرض البحوث، ليست ساحات استعراض، بل امتحان حقيقي للرقي الإنساني. امتحان يفشل فيه من يحضر بجسده ويغيب بوعيه، أو يرى المنصة مرآة لذاته لا نافذة على الآخرين.
ما نحتاجه اليوم ليس تكاثر الفعاليات، بل استعادة أخلاقيات الحضور الثقافي: أن نأتي لا لنُرى فقط، بل لنسمع ونتعلم؛ أن نحترم الكلمة حتى وإن لم تكن كلمتنا؛ وأن نغادر القاعة وقد أضفنا إلى وعينا صوتًا جديدًا، لا مجرد صدى لأصواتنا.
فالثقافة التي تفقد الإصغاء، تفقد معناها، وتتحول ـ مهما تجمّلت ـ إلى ضجيج أنيق بلا روح.
