الطائر الحزين
بقلم / اسماء احمد محمد علي
في داخل كلٍّ منّا طائرٌ مُهاجر، يحمل فوق ظهره حقيبةً مليئةً بذكرياته وأحلامه، ويأمل أن يُنهي غربته يومًا ما ليعود إلى نفسه من جديد.
ذلك هو الطائر الحزين الذي أنهكته الحياة، وذاق مرارة الغدر من أقرب الناس إليه. وقد لقّبه البعض بهذا الاسم لما رأوه من أحزانٍ وآهاتٍ في هذا العالم الموحش.
نشأ محمود في أسرةٍ سعيدةٍ مكوّنة من أبٍ وأم، وهو ابنٌ وحيد وله خمسة أعمام. كان الطفلَ المدلّل، وكان أبوه أكثرَهم مالًا، فكان إخوتُه يتقرّبون إليه ويدلّلون ابنه.
ولكنها الحياة… لا تدوم لأحد، وقد تغدر بنا الأيّام في أيّ لحظة، فتغيّرنا من حالٍ إلى حال.
كانت أسرة محمود – الملقّب بالطائر الحزين – ذاهبةً في رحلةٍ إلى الشاطئ، فاصطدمت السيارة بشاحنةٍ كبيرة، أدّت إلى وفاة الأب والأم، وبقي محمود الناجي الوحيد.
صار يتيمًا، وخيّم الحزن على العائلة، لكن سرعان ما هدأت الدنيا، وعادت الحياة لمجراها، وصار كلّ شخصٍ يعيش حياته… إلا محمود؛ فهو من خسر حياته كلها.
تنقّل من بيت عمٍّ إلى آخر، دون اهتمامٍ من أحد، وصارت أملاكه تحت يد أعمامه، ولا أحد ينظر إليه بعين الرحمة، وهو لم يتجاوز الثانيةَ عشرة من عمره.
كان يعيش وحيدًا بين أبناء أعمامه، ولم يجد اهتمامًا من أحد. وكان يجلس كلَّ يوم تحت شجرته المفضّلة، تلك التي كان يجلس تحتها مع أمّه.
كان يحكي لها كأنها أمّه، ويشكو إليها مرارة الحرمان. وكانت الطيور فوق الشجرة تسمع أنينه، فتُشدو بأغانٍ حزينة لحزنه، وكان يردّد تلك الأغاني مع الطيور.
يقضي نهاره تحت تلك الشجرة، كأنها أمّه، ورائحتها العاطرة تفوح كلما اقترب منها. كانت تمدّه بالعزيمة، فيتذكّر كلام أمّه وهي تشجّعه على الصمود والإصرار والعزيمة لنيل ما يتمنّاه الإنسان.
ورغم حزنه كان متفوقًا في دراسته، يقضي يومه تحت الشجرة، يحاكي الطيور ويناجيها، والحزن يسكن قلب هذا الطفل المسكين.
كان يعيش في بيت أبيه كأنه غريب لا ينتمي إليه، بينما يسكن قلب الشجرة، ويشدو مع الطيور بأغانٍ حزينة.
ومن أجل هذا لقّبَه أهله بالطائر الحزين.
مرت الأيام وكبر محمود، وأصبح شابًا متفوقًا، ودخل كلية الطب، ثم أصبح مُعيدًا فيها. لكن النجاح قد يخلق لك أعداءً كُثُرًا؛ فقد كان له زميل يكرهه ويكره تفوّقه، وكان يفسد عليه كثيرًا من أعماله داخل الكلية. لأن بعض قلوب البشر لم تكن سليمه يكرهون نجاح الآخرين وأن سليمة النية والاصل الطيب لايفسده شيء وان المنافق مهم علا فوق لابد من له من سقوط أن الطيور الاصيله لاتغادر إلا عندما لايصلح المكان مناسبة لها
فاشتد عليه الشعور بالغربة، ليس فقط بين زملائه، بل بين أهله وداخل بلده أيضًا.
فقرر السفر خارج البلاد، لعلّه يخرج من غربته ويعود إلى نفسه التي فقدها يوم فقد والديه، وأن يصنع عالمه الخاص، ويبني ذاته من جديد.
سافر لاستكمال دراسته، وحصل على الماجستير والدكتوراه بعد عناءٍ واجتهاد.
ثم استقر في الخارج وبدأ حياته من جديد، وفتح عيادة خاصة به، وأصبح طبيبًا ناجحًا، كتب لنفسه اسمًا جديدًا في ساحة العلم والمعرفة، وأفاد الجميع بعلمه وعمله وتفوّقه.
وفي لحظة انتصار، رفع نظره إلى السماء، فرأى الطيور تُشدو بأغاني الفرح، مُعلِنةً الانتصار على الحزن واليأس وكلّ ما يعوق الإنسان من صعوبات.
فقال بأنفاسٍ متوهّجة: