بيت فوق البركان
بقلم..محمد هاشم شوشه
بيت فوق البركان: عن هندسة الحياة في زمن اللايقين
بينما يهرع العالم نحو حداثة صاخبة، يجد الإنسان المعاصر نفسه يبحث عن "السكينة" في أكثر الأماكن خطورة؛ إنه يبني عشه، ويؤثث تفاصيل حياته، ويخطط لمستقبل أطفاله فوق أرض لا تكف عن الاهتزاز. إن مفهوم "بيت فوق البركان" ليس مجرد استعارة شعرية، بل هو التوصيف الأدق لحالة الاستقرار الهش التي يعيشها جيل القرن الحادي والعشرين في ظل التقلبات الاقتصادية، والتحولات الرقمية، والاضطرابات الاجتماعية.
أولاً: فلسفة الجدران المرتعشة
البيت في الوجدان الإنساني هو "الحصن"، هو المكان الذي نخلع فيه أقنعتنا ونشعر فيه بالأمان المطلق. ولكن، ماذا يحدث عندما يصبح هذا الحصن مشيداً فوق فوهة بركان خامد (أو هكذا نظن)؟
البركان هنا هو "التحول المفاجئ"؛ قد يكون بركاناً تكنولوجياً يهدد الوظائف التقليدية، أو بركاناً قيمياً يغير ملامح الأجيال، أو حتى بركاناً في عالم التواصل الاجتماعي الذي قد يحول حياة أسرة مستقرة إلى "رماد" في لحظة "تريند" عابر أو فضيحة رقمية غير محسوبة.
البركان هنا هو "التحول المفاجئ"؛ قد يكون بركاناً تكنولوجياً يهدد الوظائف التقليدية، أو بركاناً قيمياً يغير ملامح الأجيال، أو حتى بركاناً في عالم التواصل الاجتماعي الذي قد يحول حياة أسرة مستقرة إلى "رماد" في لحظة "تريند" عابر أو فضيحة رقمية غير محسوبة.
ثانياً: العيش تحت ظلال الرماد (مخاطر الاستقرار الزائف)
العيش فوق البركان يفرض على ساكني البيت نمطاً خاصاً من التفكير. في عام 2026، لم يعد الذكاء يقاس بالقدرة على التجميع والمراكمة، بل بالقدرة على "التكيف مع الانهيار".
- الاستهلاك العاطفي: إن القلق من ثوران البركان في أي لحظة يجعل سكان البيت يستنزفون عواطفهم في محاولات بائسة للسيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.
- هشاشة الروابط: عندما يشعر الإنسان أن الأرض تحت بيته غير مستقرة، يميل غريزياً إلى التقوقع حول ذاته، مما يضعف النسيج الأسري والاجتماعي.
- فخ المظاهر: كثيراً ما يتم تزيين "البيت فوق البركان" بأبهى الديكورات لإخفاء الشقوق التي يسببها الاهتزاز الداخلي، تماماً كما نهرب من أزماتنا الحقيقية إلى استعراض حياة مثالية على منصات التواصل.
ثالثاً: كيف نبني بيتاً يقاوم الصدمات؟
الاحترافية في العيش لا تعني بالضرورة الهروب من فوق البركان (فالأرض كلها أصبحت فوهات مشتعلة)، بل تعني "هندسة المرونة". لكي ينجو هذا البيت، عليه أن يتبنى استراتيجيات جديدة:
- الوعي بالواقع: أول خطوة للنجاة هي الاعتراف بأننا نعيش في زمن متقلب، وعدم المراهنة على أمان دائم ومطلق.
- التجذر القيمي: الأساسات التي تحمي البيت من الانهيار ليست الأسمنت والحديد، بل هي القيم والمبادئ الراسخة التي لا تتغير بتغير ضغط الحمم البركانية من حولنا.
- المرونة الرقمية والنفسية: تعلم مهارات جديدة باستمرار، وبناء صلابة نفسية تمكننا من إعادة البناء فوراً إذا ما حدث الثوران الكبير.
رابعاً: السويس نموذجاً (بين صمود الجغرافيا وعنف التاريخ)
وإذا أسقطنا هذا المفهوم على مدينة مثل السويس، نجد أنها المثال الحي لـ "البيت الذي قهر البركان". مدينة بنيت فوق خط النار، واجهت حروباً طاحنة، وتحملت ضغوطاً سياسية واقتصادية، لكن "البيت السويسي" لم يسقط. سر البقاء هنا يكمن في "روح المقاومة"؛ فالوعي الشعبي في السويس يدرك تماماً أن البيت قد يهتز، لكن الجدران التي شُيدت بالإرادة لا تنهار أمام الحمم مهما بلغت حرارتها.
خاتمة
إن "البيت فوق البركان" هو قدرنا الجميل والقاسي في آن واحد. هو دعوة للكف عن انتظار "الهدوء المثالي" لبدء الحياة، بل هو الحافز لنعيش كل لحظة بشغف، ونبني كل ركن بإخلاص، مدركين أن قيمة البيت لا تكمن في متانة أرضه فحسب، بل في صلابة قلوب من يسكنونه وقدرتهم على الرقص فوق نيران التحولات دون أن تحترق أرواحهم.
إننا لا نبني بيوتنا لنخلد، بل لنقاوم الزوال، حتى لو كان ذلك فوق فوهة بركان.
