📁عاااااااااجل

الصحة النفسية في عصر الشاشات

 

الصحة النفسية في عصر الشاشات: كيف تشكل التكنولوجيا وجدان جيل الشباب؟

قلم/وائل عبد السيد 

في العقدين الأخيرين، انتقل العالم من مرحلة "استخدام" التكنولوجيا إلى مرحلة "التعايش" الكامل معها. بالنسبة لجيل الشباب (جيل Z وما بعده)، لا يعتبر الإنترنت أداة بل هو "بيئة" حيوية ينمون فيها. ومع ذلك، تشير الدراسات الحديثة لعام 2025 و2026 إلى أن هذه البيئة الرقمية تحمل في طياتها تعقيدات نفسية لم تكن معهودة من قبل.

1. وهم المثالية: فخ المقارنة الاجتماعية

أحد أخطر التأثيرات النفسية لوسائل التواصل الاجتماعي هو ما يسميه الخبراء "المقارنة الاجتماعية التصاعدية". يميل المستخدمون على منصات مثل "إنستغرام" و"تيك توك" إلى نشر أفضل لحظات حياتهم فقط، مستخدمين الفلاتر وأدوات التعديل.

انخفاض تقدير الذات: عندما يقارن الشاب حياته الواقعية المليئة بالتحديات بصور "مثالية" ومنسقة بعناية لأقرانه، يتولد لديه شعور بعدم الكفاية.

اضطراب صورة الجسد: أدى الانتشار الكثيف لمعايير الجمال الرقمية غير الواقعية إلى زيادة معدلات اضطراب صورة الجسد، خاصة بين المراهقات.

2. اقتصاد الانتباه: الدوبامين والإدمان الرقمي

صُممت منصات التواصل الاجتماعي بناءً على خوارزميات تستهدف نظام المكافأة في الدماغ. كل "إعجاب" أو "تعليق" يفرز جرعة صغيرة من الدوبامين، مما يخلق حلقة مفرغة من البحث عن التأكيد الخارجي.

متلازمة FOMO (الخوف من فوات الشيء): يشعر الشباب بقلق دائم من أنهم يفتقدون حدثاً مهماً أو "تريند" جديد إذا ابتعدوا عن هواتفهم، مما يبقيهم في حالة تأهب عصبي مستمر.

تشتت الانتباه: الاستخدام المفرط للمحتوى القصير (Short-form content) أدى إلى تراجع القدرة على التركيز العميق والقراءة الطويلة، حيث اعتاد الدماغ على المحفزات السريعة.

3. الجانب المظلم: التنمر الإلكتروني والعزلة

رغم أن التكنولوجيا تربطنا بالعالم، إلا أنها قد تسبب عزلة اجتماعية حقيقية.

التنمر الإلكتروني: على عكس التنمر التقليدي، يلاحق التنمر الإلكتروني الضحية حتى داخل غرفتها، ويحدث أمام جمهور واسع، مما يضاعف من آثاره التدميرية التي قد تصل إلى الاكتئاب الحاد.

التمرير السلبي (Doomscrolling): قضاء ساعات في متابعة الأخبار السيئة أو المحتوى السلبي يؤدي إلى حالة من "الإرهاق العاطفي" وزيادة مستويات القلق الوجودي.

4. التأثير الجسدي على الصحة العقلية

لا يمكن فصل العقل عن الجسد؛ فالتكنولوجيا تؤثر على كيمياء أجسامنا بطرق مباشرة:

اضطرابات النوم: الضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يثبط إفراز هرمون الميلاتونين، مما يؤدي إلى الأرق. والنوم غير المنتظم هو وقود مباشر للاضطرابات المزاجية.

الخمول البدني: الجلوس الطويل أمام الشاشات يقلل من النشاط البدني الذي يعتبر مضاداً طبيعياً للاكتئاب.

5. الوجه الآخر: كيف تدعم التكنولوجيا الصحة النفسية؟

من الإنصاف القول إن التكنولوجيا ليست شراً مطلقاً. في عام 2026، برزت أدوات تكنولوجية تلعب دوراً إنقاذياً:

تطبيقات الصحة النفسية: توفر تطبيقات التأمل والعلاج السلوكي المعرفي (CBT) دعماً فورياً لمن لا يستطيعون الوصول للعيادات التقليدية.

مجتمعات الدعم: تتيح الإنترنت للشباب الذين يعانون من حالات نادرة أو تهميش اجتماعي العثور على مجموعات تدعمهم وتشعرهم بالانتماء.

الذكاء الاصطناعي العلاجي: بدأت روبوتات المحادثة المتخصصة في تقديم "إسعافات أولية نفسية" فعالة للتعامل مع نوبات القلق.

6. استراتيجيات النجاة في الغابة الرقمية

لتحقيق التوازن النفسي، يجب على الشباب والمربين تبني نهج "الوعي الرقمي":

الصيام الرقمي الدوري: تخصيص ساعات يومياً أو يوم كامل أسبوعياً بعيداً عن الشاشات لإعادة ضبط نظام المكافأة في الدماغ.

تصفية المحتوى: إلغاء متابعة الحسابات التي تثير مشاعر سلبية أو تدفع للمقارنة غير العادلة.

التواصل الواقعي: تعزيز اللقاءات وجهاً لوجه لتقوية المهارات الاجتماعية التي تضعف خلف الشاشات.

خاتمة

إن التكنولوجيا سلاح ذو حدين؛ فهي نافذة على العالم ولكنها قد تصبح مرآة مشوهة للذات. تكمن المسؤولية اليوم في تعليم جيل الشباب كيف يقودون التكنولوجيا بدلاً من أن تقودهم هي. الصحة النفسية في عام 2026 تتطلب وعياً يتجاوز مجرد "تقليل وقت الشاشة" إلى "تحسين جودة التفاعل الرقمي".

تعليقات