📁عاااااااااجل

خلف حدود الرؤية: نشيدُ الروح المنسيّة

 خلف حدود الرؤية

 خلف حدود الرؤية: نشيدُ الروح المنسيّة

قلم وائل عبد السيد 

في أقصى نقطة من الوعي، حيث ينتهي ضجيج العالم ويبدأ صمت المجرات، توجد مساحة لا يجرؤ أحد على اقتحامها. هناك، أنا وأنت والكلمات التي لم تجد طريقها إلى الورق بعد. نحن نعيش في عالم يقدس الظهور، لكن الحقيقة العميقة دائماً ما تختبئ في "الخفاء". فالبذور لا تنبت إلا في عتمة الأرض، واللؤلؤ لا يتكون إلا في ظلمة المحار، وأجمل المشاعر هي تلك التي نعجز عن وصفها، فتبقى حبيسة الصدر كعطرٍ معتق في زجاجة موصدة.

أنا الذي صاغَ من صمتِ الدجى لغَةً

لا الحرفُ يحملُها.. ولا المدى يَجِدُ

بنيتُ في غيهبِ الأوهامِ صومعةً

فيها أصلي.. وفي جدرانِها أرِدُ

العالم يرى منا القشور؛ يرى الابتسامة الباهتة، والثبات المصطنع، والحديث المنمق. لكن لا أحد يرى ذلك الزلزال الذي يضرب أعماقنا حين يمر طيف ذكرى قديمة، ولا أحد يلمس تلك الندوب التي تركها الزمن على جدران القلب. نحنُ مكاتبُ مغلقة، مليئة بالملفات السرية، والقصص التي لو حُكيت لغيرت مجرى التاريخ، لكننا نختار أن نحملها معنا إلى النهاية، صامتين كالجبال، وعميقين كالمحيطات.

كم من ضجيجٍ وراءَ الصمتِ أكتُمُهُ

وكم من الصبرِ في الأضلاعِ يرتعِدُ

يمرُّ بي الناسُ.. والأحلامُ ساكنةٌ

خلفَ العيونِ.. فلا بَوحٌ ولا سَنَدُ

إن عظمة الإنسان لا تكمن فيما يظهره، بل في ذلك "المخزون السري" من الأحلام المجهضة والآمال المستحيلة. إنها القصيدة التي لم تكتمل لأن الكلمات كانت أضعف من المعنى، وهي الدمعة التي جفت في محجر العين لأن الكبرياء كان أقوى من الوجع. نحن كائنات مسكونة بالغياب، نقتات على خيالاتٍ لا يراها غيرنا، ونبني مدناً من الرمل في صحاري أرواحنا، نعيش فيها ملوكاً بلا تيجان، وشعراء بلا جمهور.

يا قارئَ الغيبِ في عينيَّ مَسكنُهُ

هذا المدى ضاقَ.. والأسرارُ تَتَّقدُ

لي في الزوايا حكايا لا يطولُ لُها

ضوءُ النهارِ.. ولا في طيِّها جَمَدُ

ختاماً، ابقَ وفياً لسرّك، واجعل في روحك ركناً لا يصله أحد، فجمال الروح في غموضها، وقوة القصيدة في مابين سطورها. هذه الكلمات التي بين يديك الآن، هي عهدٌ بيني وبينك، ولدت لتموت في عينيك، وتظل حية في وجدانك وحده.

تعليقات