قيمتك نبراس مكانتك فإعمل علي شاكلتك :
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
يميل الإنسان إلى اعتبار نفسه ابنَ حلالٍ بشكلٍ عام،
طالما لم تقترف يده من الآثام والشرور إلا النزر اليسير،
ويتخيّل دائمًا أنه أقرب إلى الخير من الشر.
لكنّ الدنيا تدور،
ويُمتحَن المرء أمام نفسه، مرةً بعد مرة،
حتى تُجرّده الحياة من هذا التصوّر.
لعلّ تراجيديا الإنسان العظمى
هي فقدُ البراءة مع الزمن؛
من ملائكية الطفولة،
إلى رعونة الشباب،
إلى هموم الكهولة،
ثم أخيرًا إلى توبة الشيخوخة.
وكلما زاد وعيُ الواحد بتلوّثه الداخلي،
قلّ إعجابه بنفسه،
وقلّت رغبته في أن يدور العالم حوله.
يُضايقه مديح الآخرين له لأنه في غير محلّه،
ومديحُ الآخرين لغيره لأنهم في أغلب الظن مثله.
ربما لهذا يعجبني الذين لا تعجبهم أنفسهم،
في حين أن الذين يستريحون لأنفسهم يثيرون نفوري دائمًا؛
إمّا أن سوادهم الداخلي لا يُخيفهم،
أو أنهم أغبى روحًا من إدراك وجوده.
كيف يتعامل المرء مع ظلماته الداخلية؟
إلّا أن تُنجيه رحمةُ الله؟
فالكذّابون…
والمخادعون…
والمحتالون.
وما أدراك ما الكذّابون المخادعون المحتالون؟
أولئك الذين لا يعيشون بالحياة،
بل يعيشون على آلام الناس.
يصعدون إلى الأعلى
لا لأنهم أفضل،
بل لأنهم أتقنوا الوقوف
على هشاشة البشر.
كل خطوة لهم
تحتاج سقوط أحدٍ ما.
لا بسلالم الشرف،
بل فوق جماجم المنكسرين.
يتقنون لغة الدموع،
ويحفظون نبرة الحزن،
ويعرفون متى يهزّون الصوت
ليصطادوا التعاطف.
يفترسون قلوب الطيّبين
باسم الإنسانية.
يتاجرون بالأوجاع،
يحوّلون المعاناة إلى عملة،
والحزن إلى سلعة،
والدموع إلى نفوذ
وقوةٍ زائفة.
قد لا يقتلون الناس بأيديهم،
لكنهم يأكلون لحم الأموات،
ويرتشفون من دم الذاكرة،
ويقتاتون على ما تبقّى من وجع.
هم لا يحملون السكاكين،
لكنهم يعرفون أين يطعنون.
لايذبحون بأيديهم
لكنهم يشربون دماء الأموات صمتا،
لا يطلقون الرصاص،
لكنهم يفرغون الأرواح ببطء.
أولئك
هم شرّ الخلق حين يلبسون ثوب الخير،
حين يتحدّثون باسم الحق وهم للحق كارهون
أذكر أني كنت شابًا أخضرَ القلب
عندما سمعتُ ما يُنسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه — وإن كنت لم أتحقق من صحته —
أنه لو علم أن الله غفر لجميع الناس ما عدا واحدًا،
لخاف أن يكون هو،
ولو علم أن الله غضب على جميع خلقه ما عدا واحدًا،
لأمِل أن يكون هو.
آمنتُ وقتها أن هاته المسافة الواسعة
بين رجاء رحمته والخوف من غضبه
ينبغي أن تكون في قلبي.
لكن قلب الإنسان أضيق مما يظن،
ويتنقّل بالكامل بين أقصى اليمين وأقصى اليسار،
ولا يتّسع لما بينهما.
