بقلم د/ رشا النواوي
في العقدين الأخيرين، انتشرت في الخطاب الاجتماعي والإعلامي صورة "المرأة القوية المستقلة" كنموذج مثالي يُقدّم للنساء.
هذه الصورة، رغم نواياها الإيجابية في التحرر من الصور النمطية التقليدية، تحولت إلى قالب جديد يفرض توقعات غير واقعية وينسج أوهاماً جديدة بدلاً من تحرير المرأة من القديم منها.
فكرة "المرأة القوية المستقلة" أصبحت معياراً يضغط على النساء لتكون كل منهن:
• قادرة على النجاح المهني دون دعم
• مكتفية مادياً وعاطفياً بشكل كامل
• صامدة في وجه جميع التحديات دون تذمر أو تعب
• متعددة المهام تنجح كأم وكرائدة أعمال وكزوجة وكابنة دون أخطاء
هذا النموذج الخارق يخلق إحساساً بالفشل لدى النساء اللواتي يجدن أنفسهن عاجزات عن تلبية كل هذه المتطلبات المتزامنة.
وفي طريق سعيها لتحقيق "الاستقلال المطلق"، تواجه المرأة مفارقة مريرة:
• الاستقلال المالي الكامل قد يحرمها من فرصة بناء شراكات متوازنة تستند إلى التكامل لا المنافسة
• الاستقلال العاطفي المفرط قد يعزلها عن الحاجة البشرية الطبيعية للارتباط والدعم المتبادل
• رفض المساعدة بدعوى القوة قد يحرمها من موارد دعم حقيقية تحتاجها
وقد تحولت "القوة" في هذا السياق إلى قناع تختبئ وراءه كثير من النساء:
• قوة مزيفة تمنع التعبير عن الضعف أو الحاجة خوفاً من أن يُنظر إليها كفشل
• استقلالية تفرض العزلة خوفاً من أن يُفسر الارتباط بالتبعية
• صورة مثالية تزيد الضغوط النفسية وتعمق الشعور بالوحدة
وقد تجاهل النموذج الأحادي للمرأة القوية المستقلة التنوع والاختلاف في طموحات النساء وقدراتهن واختياراتهن وهمش قيمة الأدوار التقليدية التي تختارها بعض النساء بحرية
وأيضا لا يعترف بأن القوة الحقيقية تكمن في حرية الاختيار، وليس في الانصياع لنموذج واحد
نحو نموذج أكثر إنسانية
بدلاً من تبني "أكذوبة المرأة القوية المستقلة"، نحتاج إلى:
1.التعريف المرن للقوة الذي يتسع للضعف والاحتياج كجزء من القوة الإنسانية
2.الاستقلال النسبي الذي لا ينفي قيمة الاعتماد المتبادل والتشبيك الاجتماعي
3.التخلص من ثنائية القوة/الضعف واعتبار التجربة الإنسانية سلسلة متصلة
4.احترام الخيارات المتنوعة سواء في العمل المنزلي أو الخارجي، في الزواج أو العزوبية
"المرأة القوية المستقلة" كصورة نمطية جديدة تفرض شكلاً آخر من أشكال العبودية - عبودية النموذج المثالي الذي لا يرحم. القوة الحقيقية لا تكمن في محاولة أن تكون المرأة "خارقة"، بل في قدرتها على أن تكون إنسانة كاملة:
قوية حين تحتاج، ضعيفة حين تتعب، مستقلة في بعض المجالات، معتمدة في أخرى.
التحرر الحقيقي يبدأ عندما نحرر المرأة من كل النماذج الجاهزة، وندعها تُعرّف قوتها واستقلالها بطرق تلائم واقعها وقناعاتها، بعيداً عن الأكاذيب الجديدة التي تحل محل القديمة.
