![]() |
| الغائب المنتظر |
قلم:وائل عبدالسيد
على قارعةِ الوقتِ، أقفُ وحيداً أرقبُ الأفقَ البعيد، أبحثُ عن ملامحٍ لم أرَها قط، لكنني أحفظُ تفاصيلها في تجاعيدِ روحي. يا أيها المجهولُ الساكنُ في عتمةِ الغيب، يا مَن تسمعُ نبضي ولا أسمعُ صوتك،
إليك أكتبُ حروفي المتعطشةِ للقاء.
أنتَ الذي لا اسمَ لكَ في دفاتري، ولكنَّ حضورَك يملأُ الفراغاتِ بين الكلمات. أراكَ في وجوهِ العابرين، في لمعةِ عينِ غريبٍ يمرُّ مسرعاً تحت المطر، وفي صمتِ المقاعدِ الخشبيةِ في الحدائقِ المهجورة. هل أنتَ فكرةٌ عابرةٌ في عقلِ القدر، أم أنك حقيقةٌ تمشي الهوينا نحوي، تتعثرُ بالوقتِ كما أتعثرُ أنا بالانتظار؟
يا أيها المجهولُ، إنني أخشى أن
نلتقي فلا نعرفُ بعضنا، أو أن يمرَّ أحدُنا بالآخر كغريبينِ في زحامِ مدينةٍ لا تنام. لقد رسمتُ لك في مخيلتي ألفَ وجه، ومنحتُك ألفَ صوت، وسكنتُ معك في مدنٍ لا وجودَ لها على الخريطة. أنتَ البطلُ في روايتي التي لم تنتهِ، واللحنُ المفقودُ في معزوفتي التي لم تكتمل.
"أحياناً أشعرُ أنك "أنا"
في مرايا أخرى، أو أنك النصفُ الذي ضاعَ مني في زحمةِ الوجود. هل أنتَ قدرٌ ينتظرُ اللحظةَ المناسبة ليقتحمَ حياتي؟ أم أنك مجردُ سرابٍ جميل أطاردُه لأهربَ من واقعي؟ لا يهم، فجمالُك يكمنُ في كونِك "مجهولاً"، في تلك الهالةِ من الغموض التي تمنحُ لحياتي معنىً للبحثِ والترقب.
سأبقى أكتبُ لك، وأرسلُ رسائلي في زجاجاتٍ يلقيها الحنينُ في بحرِ الأيام. سأنتظرُك عند مفارقِ الطرق، وفي أحلامِ اليقظة، وفي سكونِ الليلِ الطويل. كن من تكون، غريباً أو قريباً، عدواً أو حبيباً، فأنا قد عشقتُ فيك هذا الغموض، وآمنتُ بأنَّ أجملَ الأشياءِ هي تلك التي لم نصل إليها بعد، وأنَّ أصدقَ الوعودِ هي التي يخبئها لنا القدرُ تحت عباء
نم يا سرّي الصغير في مهدِ الغيب، حتى يحينَ الوقتُ الذي يرتفعُ فيه الستار، لنلتقي وجهاً لوجه، ونعرفُ حينها أنَّ كلَّ هذا الانتظار لم يكن سدى.
