بقلم: إيمان المهدى
لم يعد التحرش واقعة فردية يمكن التعامل معها باعتبارها استثناءً، بل أصبح ظاهرة متكررة تمس فئات مختلفة في المجتمع، أخطرها على الإطلاق الأطفال. فالطفل لا يمتلك أدوات الدفاع، ولا القدرة على الفهم أو المواجهة، ما يجعل أي انتهاك يتعرض له جريمة مضاعفة الأثر، تمتد نتائجها النفسية والإنسانية لسنوات طويلة.
في الفترات الأخيرة، تصدرت مواقع التواصل الاجتماعي وقائع تحرش في دول مختلفة بالمنطقة العربية، من بينها حالات تم تداولها على نطاق واسع في العراق، حيث ظهرت مقاطع وشهادات لفتيات تعرضن لانتهاكات في أماكن عامة، وسط صدمة وغضب مجتمعي واسع. هذه الوقائع، رغم وقوعها خارج حدودنا الجغرافية، تعكس واقعًا مقلقًا عن هشاشة الأمان في الفضاء العام، وعن سهولة ارتكاب الجريمة في ظل غياب الردع الفعلي.
الأخطر أن بعض هذه الانتهاكات لا تستهدف النساء فقط، بل تمتد إلى الأطفال، سواء داخل محيط الأسرة، أو في أماكن يفترض أنها آمنة، أو حتى عبر الإنترنت. كثير من الأطفال يتعرضون للتحرش دون أن يملكوا اللغة أو الوعي الكافي للتعبير عمّا حدث، فيصمتون خوفًا أو ارتباكًا، بينما يراكمون جراحًا نفسية قد تظهر لاحقًا في صورة اضطرابات، قلق، أو فقدان ثقة بالمحيطين.
التحرش بالأطفال لا يبدأ دائمًا بالعنف المباشر، بل قد يتسلل عبر كلمات، أو لمس غير مبرر، أو استغلال للثقة، أو ابتزاز إلكتروني. ومع غياب ثقافة التوعية، وارتباط الحديث عن هذه الجرائم بالخوف من “الفضيحة”، تتحول الضحية إلى عبء، ويظل الجاني بعيدًا عن المساءلة.
القضية هنا لا تتعلق بدولة بعينها، ولا بثقافة واحدة، بل بمسؤولية جماعية: قانون يطبَّق بصرامة، ومؤسسات تحمي لا تتجاهل، وأسرة تفتح باب الحوار مع الأطفال دون ترهيب، ومجتمع يتوقف عن لوم الضحية أيا كان عمرها.
السكوت عن التحرش، خاصة حين يكون الضحية طفلًا، ليس حيادًا ولا حكمة، بل تقصير أخلاقي. فحماية الأطفال ليست خيارًا، بل واجب لا يقبل التأجيل، ولا المساومة، ولا الصمت.
.png)