📁عاااااااااجل

في انتظار من لا يأتي.. ولن يغيب

 في انتظار من لا يأتي.. 
 في انتظار من لا يأتي.. ولن يغيب
قلم:وائل عبد السيد 

     [البداية: طقوس الانتظار]

على رصيفٍ متهالكٍ تسكنه أطيافُ الراحلين، وضعتُ حقيبتي المليئة بالأماني المؤجلة، وجلستُ أرسمُ ملامحك بفرشاةِ الوهم على جدارِ الوقت. ليس للغائبِ وجهٌ أعرفه، لكنّ له عطراً يفوح من ثنايا الصمت، ووقعَ خطىً أسمعها في نبضِ قلبي كلما جنَّ الليلُ واعتكرَ المزاج. يا "أنتَ" يا من تسكنُ ما وراءَ الأفق، هل وصلتْك برقياتُ الشوقِ التي أودعتُها أوراقَ الخريفِ المتساقطة؟ أم أنَّ الرياحَ كانت أعنفَ من أن تحملَ هشةً كأحلامي؟

​      [البحث: الفكرة والواقع]

أنتَ لستَ مجردَ غائب، أنتَ "الفكرة" التي تبررُ لي استمراري في الوقوف. أبحثُ عنك في ضجيجِ الأسواق، وفي نظراتِ الباعةِ المتعبين، وفي زوايا المقاهي التي تفوحُ منها رائحةُ البُن والانتظار. لعلّك تجلسُ هناك، تقرأُ جريدةً قديمة، أو تراقبُ المطرَ وهو يغسلُ زجاجَ النافذة، وتنتظرُني كما أنتظرك، دون أن تدري أننا خطان متوازيان في هندسةِ القدر، لا يلتقيان إلا في مخيلةِ قصيدة.

​    [الفلسفة: الخوف من اللقاء]

يا سيّدَ الغياب، لقد ألبستُك في غيابك حُللاً من نور، وجعلتُ منك مأوىً لكل انكساراتي. أخشى إنْ ظهرتَ فجأةً أن يتبددَ السحر، أن أراك بشراً عادياً لا يشبهُ الأسطورة التي بنيتُها في رأسي. هل تكمنُ عظمةُ الغائبين في صمتهم؟ أم في بقائهم عالقين بين الوجود والعدم؟ إنني أمارسُ طقوسَ البحثِ ليس لأجدك، بل لأنجو من نفسي، فالانتظارُ هو الخيطُ الرفيع الذي يربطني بالحياة، وبدونه أهوي في بئرِ الفراغ.

        ​[التساؤل: سر الغائب]

لقد كتبتُ اسمك على رمالِ الشواطئ التي لم تزرها قدماك، وناديتك في الفلواتِ الخالية حيثُ لا يسمعني إلا الصدى. أنتَ البطلُ الذي لم يظهر في المشهدِ الأخير، والكلمةُ التي وقفتْ في حنجرةِ الراوي فمنعتْ القصةَ من النهاية. هل أنتَ خديعةُ العقلِ ليريحَ القلب؟ أم أنَّ القدرَ يخبئك كجائزةٍ كبرى لمن يصبرُ على طعمِ المرارة؟

         ​[العهد: الأمل المستمر]

سأظلُّ أوقدُ القناديلَ في طريقِك المهجور، وأفتحُ النوافذَ لريحٍ قد تحملُ صدى أنفاسك. سأبقى الساهرَ الذي لا يملُّ النظرَ إلى النجوم، يقرأُ فيها طالعك وعودتك المستحيلة. كن كما أنت، غيمةً لا تمطر، أو فجراً لا يبزغ، فما دمتُ أنتظرك، فأنا على قيدِ الأمل. وما دامَ الغيبُ يسترُ ملامحك، فستظلُّ "أجملَ الغائبين" وأقربَ الحاضرين إلى روحي المتعبة.

       ​[الخاتمة: الوفاء الأبدي]

نمْ قريرَ الغيب، فمكاني محجوزٌ لك في صدرِ كلِّ يومٍ جديد، وصمتي هو الصلاةُ التي أرفعها لعلَّ السماءَ تشفقُ على تراتيلِ هذا الانتظار الطويل.

تعليقات