بعد التقاعد… حين يصبح الفراغ النفسي التحدي الأكبر
بقلم: حسن غريب
لا يأتي التقاعد دائمًا بوصفه استراحة مستحقة، كما يُشاع، بل قد يتحول لدى كثيرين إلى مرحلة نفسية دقيقة، خاصة حين يأتي التوقف عن العمل فجأة بعد سنوات طويلة من الالتزام والروتين والجدول المزدحم.
فالتقاعد لا يعني فقط انتهاء وظيفة، بل فقدان إيقاع يومي كان يمنح الزمن شكله، ويمنح الإنسان إحساسه بالدور والجدوى. ومع اتساع الفراغ، يجد كثير من المتقاعدين أنفسهم أمام أيام طويلة بلا ملامح واضحة، وهو ما قد يفتح الباب لتحديات نفسية غير متوقعة.
تشير تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 30% من المتقاعدين يعانون أعراض قلق أو اكتئاب خفيفة إلى متوسطة خلال السنوات الأولى بعد التقاعد، لا سيما من يفتقدون أنشطة بديلة أو دوائر اجتماعية نشطة. وغالبًا ما تتسلل العزلة تدريجيًا، عبر طول الجلوس في المنزل، وتراجع الحركة، وضعف التفاعل مع العالم الخارجي.
من منظور علم النفس، تظهر لدى كثير من المتقاعدين حالة تُعرف بـ«الاجترار الذهني»، حيث ينشغل العقل باستعادة الماضي الوظيفي أو القلق بشأن المستقبل، مع ضعف القدرة على التفاعل الإيجابي مع الحاضر. ووفقًا للجمعية الأمريكية لعلم النفس، فإن هذه الحالة ترفع احتمالات الاكتئاب بنسبة قد تصل إلى 40% لدى كبار السن، خاصة إذا اقترنت بقلة النشاط البدني.
ولا يقتصر التأثير على الجانب النفسي فقط، إذ تؤكد دراسات علم الأعصاب أن الخمول الجسدي بعد التقاعد يؤدي إلى انخفاض إفراز بعض النواقل العصبية المهمة مثل الدوبامين والسيروتونين، وهما عنصران أساسيان في الشعور بالحيوية والاستقرار المزاجي. وهو ما يفسر شيوع الشعور بالإرهاق، وتراجع الدافعية، واضطرابات النوم لدى عدد كبير من المتقاعدين.
الخطأ الشائع في هذه المرحلة هو انتظار تحسّن المزاج قبل التحرك، بينما تؤكد الأبحاث الحديثة في العلاج السلوكي أن التحسّن غالبًا ما يأتي نتيجة للحركة لا شرطًا لها. ولهذا، يوصي المختصون بما يُعرف بـ«التنشيط السلوكي»، وهو نهج يعتمد على إدخال أنشطة بسيطة ومنتظمة إلى اليوم، حتى في غياب الدافع النفسي.
وقد أظهرت دراسات حديثة أن المشي لمدة 30 دقيقة يوميًا يقلل أعراض الاكتئاب بنسبة تقارب 25% خلال ثلاثة أشهر، كما أن التعرض المنتظم لضوء الشمس، والحفاظ على تواصل اجتماعي نشط، وممارسة هوايات قديمة أو الانخراط في أعمال تطوعية، كلها عوامل تسهم في تحسين الحالة النفسية واستعادة الإحساس بالمعنى.
التقاعد، في جوهره، ليس نهاية الدور الاجتماعي للإنسان، بل انتقال إلى شكل مختلف من الحضور. غير أن نجاح هذا الانتقال يتطلب وعيًا مبكرًا، وإعادة تنظيم للوقت، وتعريفًا جديدًا للإنجاز خارج الإطار الوظيفي التقليدي.
فالفراغ، حين يُترك بلا إدارة، يتحول إلى عبء نفسي ثقيل. أما حين يُملأ بالحركة والمعنى، فقد يصبح بداية مرحلة أكثر هدوءًا واتساقًا مع الذات. والقاعدة البسيطة هنا أن الخطوة الأولى، مهما بدت صغيرة، تظل العامل الحاسم في كسر دائرة السكون، واستعادة الإحساس بأن للحياة بعد التقاعد ما يستحق أن يُعاش.
عن الكاتب
حسن غريب كاتب وصحفي عربي مهتم بالقضايا الاجتماعية والثقافية، مع تركيز خاص على الجوانب النفسية للتحولات التي يمر بها الإنسان في مراحل العمر المختلفة. تتسم كتاباته بالجمع بين الحس الإنساني والتحليل الهادئ، مع الاعتماد على مقاربات نفسية واجتماعية مبسطة دون إخلال بالعمق أو الدقة.
ينشغل غريب في مقالاته بأسئلة المعنى، والهوية، والفراغ الوجودي، وتأثير التحولات المهنية والاجتماعية على الصحة النفسية، خصوصًا في المراحل الانتقالية مثل التقاعد، والعزلة، وتغير الأدوار الاجتماعية. ويسعى من خلال مدونته إلى فتح مساحات للتفكير والنقاش، وتقديم محتوى يعالج القضايا اليومية بلغة قريبة من القارئ، بعيدًا عن التنظير الجاف أو الخطاب الوعظي.
"الكتابة بالنسبة لي محاولة لفهم ما نمرّ به بصوت أهدأ، لا لإصدار الأحكام، بل لطرح الأسئلة الصحيحة."
