بقلم: إسراء الصباغ
التسول لم يعد مجرد مطلب فردي للحاجة، بل تحول إلى ظاهرة مُنظمة و"تجارة" غير مشروعة تدار عبر شبكات احترافية، مما يشكل تحديًا أمنيًا واقتصاديًا خطيرًا.
هذا التقرير يحلل الأبعاد المتشابكة للظاهرة ويقدم مقترحات عملية لمواجهتها، مع التأكيد على ضرورة تفعيل دور مؤسسات الحماية الاجتماعية وتطبيق القوانين الرادعة.
1.تحليل ظاهرة التسول: من الحاجة إلى الاحتراف
تشير الدراسات الاجتماعية والأمنية إلى تحول نوعي في طبيعة التسول.
يمكن تصنيف المتسولين إلى فئتين رئيسيتين:
المتسول المضطر (25% تقريبًا): وهي حالات فردية مدفوعة بالفقر المدقع، أو الإعاقة الحقيقية، أو الأمراض المزمنة، وغالبًا ما يكونون من كبار السن أو فاقدي المعيل.
المتسول الاحترافي والمنظم (75% تقريبًا): هذه الفئة تستغل العاطفة العامة وتعمل ضمن شبكات تستخدم أساليب متقدمة تشمل تزييف الإصابات، استئجار الأطفال، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي (التسول الإلكتروني)، بهدف جمع أموال طائلة دون أي حاجة حقيقية وهي الفئة الأكثر انتشاراً دون الحاجه الي ما يغطي تكاليف المعيشة للأفراد.
الأبعاد والتأثيرات:
البعد الاقتصادي: يُقدر حجم الأموال التي تجنيها هذه الشبكات سنويًا بمبالغ ضخمة، وهي أموال تخرج عن الدورة الاقتصادية الرسمية وتغذي الإقتصاد غير الرسمي.
البعد الأمني: ارتبطت العديد من حالات التسول المنظم بالتحرش، السرقة، واستغلال الأطفال في مناطق الازدحام المروري والميادين الرئيسية.
البعد الاجتماعي: تزايد الخوف والشك لدى المواطنين، مما يقلل من احتمالية مساعدة الحالات الإنسانية الحقيقية، ويهدر قيمة التكافل الإجتماعي بين الأفراد المستحقة للدعم المادي والمعنوي.
2.التوصيات المقترحة للمعالجة
يتطلب احتواء هذه الظاهرة استراتيجية وطنية متعددة الأوجه، ترتكز على الشراكة بين الجهات الحكومية ـ وزارة التضامن، ووزارة الداخلية والمجتمع المدني:
أ. الإجراءات القانونية والأمنية العاجلة:
تجريم التسول المنظم: تفعيل القوانين وتغليظ العقوبات ضد كل من يثبت انضمامه لشبكات التسول الاحترافي أو استغلال الأطفال والقُصّر في هذا النشاط، واعتباره جريمة اتجار بالبشر.
حملات أمنية مكثفة: إطلاق حملات دورية ومستمرة في مناطق التجمعات الرئيسية (المولات، إشارات المرور، محطات النقل العام) لتفكيك هذه الشبكات.
تتبع الحسابات المالية: مراقبة الحسابات البنكية وحسابات التبرعات المرتبطة بالتسول الإلكتروني للكشف عن مصادر التمويل غير الشرعية.
ب. برامج الحماية والتمكين الاجتماعي:
فرز وتصنيف الحالات: إحالة المتسولين الذين يتم ضبطهم إلى لجان متخصصة لفرزهم:
القادرون على العمل: إخضاعهم لبرامج تدريب مهني مكثفة ودمجهم في سوق العمل عبر مبادرات "التوظيف أولًا".
غير القادرين (حالات العوز الحقيقية): تسجيلهم فورًا في برامج الدعم النقدي الحكومية وتقديم الرعاية الصحية والإيوائية اللازمة لهم.
تعزيز دور الرعاية: زيادة عدد ونوعية مراكز الإيواء والتأهيل الاجتماعي لضمان حياة كريمة لفاقدي المعيل وكبار السن.
ج. التوعية العامة:
توجيه الصدقات: إطلاق حملات توعوية عبر وسائل الإعلام تحث المواطنين على توجيه التبرعات والزكاة إلى المؤسسات الخيرية الرسمية بدلاً من الأفراد المتسولين، لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين ومكافحة ظاهرة الاحتراف.
ملاحظة ختامية: إن محاربة التسول ليست مجرد عمل أمني، بل هي استثمار في الكرامة الإنسانية واستعادة النظام في المجتمع، يتطلب التزامًا حكوميًا وشعبيًا لتحقيق التنمية المستدامة.
