التطاول على رسول الله ﷺ… عدوان على العقيدة وجريمة في ميزان القيم
حسن غريب أحمد
كاتب وناقد مصري
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا﴾
[الأحزاب: 57]
ليست الإساءة إلى رسول الله محمد ﷺ مسألة رأي، ولا لونًا من ألوان “الجرأة”، ولا فعلًا يمكن إدراجه تحت مظلة حرية التعبير، بل هي عدوان صريح على عقيدة أمة، وطعن مباشر في أقدس مقدساتها، وجريمة أخلاقية مرفوضة دينيًا وإنسانيًا وقانونيًا.
إن ما انتشر مؤخرًا عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي من إساءة سافرة للنبي ﷺ، يمثل انحدارًا خطيرًا في الخطاب العام، ومحاولة خبيثة لتطبيع ازدراء الأديان، وكأن المساس بالمقدسات صار أمرًا عاديًا أو مادة للتسلية والاستفزاز. والحقيقة أن هذا الفعل لا يكشف إلا عن جهلٍ فادح بمكانة النبي ﷺ، وعن خواءٍ روحي وفكري لدى من يقدمون عليه أو يبررونه.
لقد عظّم الله سبحانه نبيّه تعظيمًا لم ينله بشر، فقال:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[الشرح: 4]
وقال أيضًا:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾
[الأنبياء: 107]
فأيُّ انحطاطٍ هذا الذي يتطاول على من جعله الله رحمة للعالمين؟ وأيُّ إفلاسٍ أخلاقي يسمح بالسخرية من نبيٍّ شهد له أعداؤه قبل أتباعه بالصدق والأمانة ونبل الخُلُق؟
لقد كان رسول الله ﷺ قرآنًا يمشي على الأرض، كما وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وكان خُلقه شاهدًا على عظمة الرسالة التي حملها. قال ﷺ:
«إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».
فالإساءة إليه ليست إساءة لشخصه فحسب، بل طعن في منظومة أخلاقية كاملة، وفي قيم الرحمة والعدل والإنسانية.
إن تبرير هذا التطاول تحت دعوى “حرية التعبير” تزييفٌ فجّ للمفاهيم. فالحرية لا تعني الفوضى، ولا تعني انتهاك المقدسات، ولا تبرر إشعال الكراهية الدينية. وكل القوانين الرشيدة في العالم تضع حدودًا واضحة حين تتحول الكلمة إلى أداة إيذاء وازدراء وتحريض. فكيف إذا كان المستهدف هو نبيٌّ يؤمن به الملايين، وتقدّسه قلوبهم، ويشكّل جزءًا أصيلًا من هويتهم ووجودهم؟
إن ازدراء الأديان السماوية، وفي مقدمتها الإسلام، خطرٌ على السلم المجتمعي، ومقدمة لتمزيق النسيج الإنساني، وبوابة للفوضى الأخلاقية. والتساهل معه ليس “تسامحًا”، بل تفريط في القيم، وتخلٍّ عن أبسط قواعد الاحترام المتبادل.
ومع ذلك، فإن نصرة رسول الله ﷺ لا تكون بالفوضى ولا بالانفعال الأعمى، بل بالوعي، وبالتمسك بالأخلاق التي جاء بها، وبالاحتكام إلى القانون، وبفضح هذا الخطاب المنحط، ثقافيًا وإعلاميًا وقانونيًا. فقد قال الله تعالى:
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[فصلت: 34]
لكن هذا لا يعني الصمت، ولا القبول، ولا التطبيع مع الإساءة.
ختامًا، سيظل رسول الله محمد ﷺ في مقامه العالي، محفوظًا بعناية الله، مرفوع الذكر، عظيم القدر، مهما حاول الساقطون النيل منه. فالإساءة لا تنقص من قدره شيئًا، لكنها تفضح أصحابها، وتضعهم في مواجهة التاريخ والضمير والإنسانية.
ونصرة النبي ﷺ واجبٌ لا يسقط، وموقفٌ لا يقبل المساومة، لأن الدفاع عنه دفاع عن الإيمان، وعن القيم، وعن كرامة الإنسان.
