صدى الروح واللقاء الخفي
قلم:وائل عبد السيد
سمعت صوتك يتردد في أركان المكان مثل ترنيمة قديمة ضلت طريقها، كان همسا رقيقا يلامس جدران روحي قبل أن يلامس أذني. بحثت عنك في الوجوه العابرة، وفي زوايا الغرف المظلمة، وفي كل ممر سلكناه معا، لكنني لم أجد سوى طيف من الذكريات يداعب مخيلتي. كان الصوت قريبا جدا لدرجة أنني شعرت بأنفاسك تحيط بي، ومع ذلك بقيت المسافة بيننا لغزا لا يفسره منطق البشر. إنها الحيرة التي تملأ القلب حين يكون الحضور صوتيا والغياب بصريا، وكأنك اخترت أن تسكن في مسامعي لتبقى عصيا
على النسيان وبعيدا عن متناول النظر.
في كل ليلة، أنتظر ذلك الرنين الخاص الذي يميز نبرتك عن بقية البشر، ذلك الصوت الذي يحمل في طياته بحة الحنين وعنفوان الشوق. صوتك ليس مجرد ترددات في الهواء، بل هو خريطة لسنوات عشناها معا، وهو الدليل الوحيد الذي يثبت لي أنك لا تزال هنا بطريقة ما. أغمض عيني لأتخيل ملامحك، فأرى بريق عينيك في نبرة تفاؤلك، وأرى حزنك في تلك السكتات القصيرة التي تسبق كلامك. لقد أصبح الصوت هو جسري الوحيد إليك، بعد أن خذلتني عيني في رؤيتك وسط هذا الضجيج العالمي الذي يسرق منا أعز الناس ويترك لنا أصداءهم فقط.
أحيانا أسأل نفسي
، هل الصوت يكفي؟ هل تغني الكلمات المنطوقة عن لمحة العين أو دفء اللقاء الجسدي؟ لكنني اكتشفت أن الصوت يمتلك قدرة عجيبة على اختراق المسافات التي تعجز الأجساد عن قطعها. عندما سمعت صوتك ولم أرك، أدركت أن الأرواح تتحدث لغات لا تحتاج إلى ضوء لتبصرها، ولا إلى شمس لتشرق عليها. فالحب الحقيقي يبدأ عندما نعشق الكيان والجوهر، قبل أن تفتننا الصورة والملامح الزائلة. أنت الآن بالنسبة لي نغمة خالدة، تعزف في بالي كلما اشتد بي الحنين، وكلما شعرت
بالوحدة في هذا العالم الموحش.
سأبقى أطارد هذا الصوت في كل ريح تهب، وفي كل صدى يتردد بين الجبال العالية. سأعتبر غيابك البصري مجرد اختبار لقدرتي على الصبر والوفاء لذكراك، فما دمت أسمعك، فأنا بخير، وما دمت تناديني، فأنا موجود. إن اليقين الذي يمنحه لي صوتك أقوى بكثير من الشك الذي يزرعه غيابك الطويل. سنلتقي يوما ما تحت سماء واحدة، وحينها سأقول لك إن صوتك كان القنديل الذي أضاء لي عتمة الطريق في الأيام التي لم أكن أرى فيها سوى السواد، وكان الملاذ الذي ألجأ إليه كلما عصفت بي
يا صاحب الصوت الذي سكن الوجدان، إنني أرى في كلماتك ما لا يراه المبصرون في جهار النهار. لقد علمتني أن الأذن تعشق قبل العين أحيانا، وأن الوفاء للنبرة هو أسمى أنواع الإخلاص. سأظل أحتفظ بكل حرف نطقت به، وبكل ضحكة أرسلتها عبر المدى، لتكون زادي في رحلة البحث المستمرة عنك. أنت الغائب الحاضر، والبعيد القريب، والصوت الذي لا يموت في ذاكرة الزمان مهما طالت السنون وتغيرت الأحوال.
