لغز خلف الأبواب: العلم يعيد كتابة تاريخ هرم خوفو الأكبر
بقلم: حماده ربيع أبو اذدحمد
منذ أن أرسى الفراعنة قواعدهم فوق رمال الجيزة، ظل الهرم الأكبر "خوفو" ليس مجرد بناءٍ من حجر، بل هو "نصٌّ كونيٌّ" كُتب بلغة الصمت والشموخ. وعلى مدار آلاف السنين، وقف هذا العملاق صامدًا أمام رياح الزمن، يهمس للأجيال ببعض أسراره ويخفي أعظمها، حتى جاء العلم في عصرنا الحالي ليطرق أبواب الصمت من جديد.
الممر الجمالوني: نبضٌ تحت الحجر
استنادًا إلى نتائج مشروع "ScanPyramids" الدولي، الذي استعان بتقنيات "تصوير الميونات" —التي تشبه الأشعة السينية للأجرام الكونية— تم الكشف عن حقيقة مادية لا تقبل الجدل: وجود ممر سري بطول 9 أمتار وعرض 2.10 متر خلف الواجهة الشمالية للهرم. هذا الممر، بسقفه "الجمالوني" المهيب، ليس مجرد فراغ عشوائي، بل هو برهانٌ هندسي على عبقرية المعماري المصري القديم الذي صمم هذا المثلث الحجري ليكون "درعًا" يوزع أحمال الهرم الهائلة، ويحمي المسارات الغامضة التي تقبع في أحشائه.
بين العلم والأسطورة
إن التوثيق العلمي المنشور في دورية "Nature" العالمية لم يأتِ لينهي الحكاية، بل ليفتح فصلًا جديدًا من فصول الإثارة. فالتساؤل الذي يطرحه كل باحث في عبق التاريخ: لماذا صُمم هذا الممر بهذا الإتقان؟ هل كان مجرد "حيلة هندسية" لتخفيف الضغط الهيكلي؟ أم أنه يمثل "عتبة" تؤدي إلى ما هو أعظم؛ ربما غرفة الدفن الحقيقية للملك التي لم تطأها قدم بشر منذ فجر التاريخ؟ إننا كباحثين في الحضارة، لا ننظر إلى هذا الممر بوصفه تجويفًا صخريًا، بل نراه "جسرًا" يربط بين عقل المعماري القديم وطموح العلم المعاصر.
خاتمة: الهرم الذي لا يشيخ
يبقى هرم خوفو الأكبر الكتاب الذي لا تنتهي صفحاته، ومع كل اكتشاف جديد، ندرك أننا لا نزال في "المقدمة" فقط. إن هذا الممر الجمالوني هو دعوة مفتوحة لنا جميعًا لنتأمل في عظمة هويتنا، ونوقن أن حضارة مصر ليست "ماضيًا" ندرسه، بل هي "حاضر" متجدد يبهر العالم كلما ظنوا أنهم قد أحاطوا بكل أسراره. سيبقى خوفو شامخًا، وسيبقى الممر لغزًا، وستظل رمال الجيزة تخبئ تحت طياتها حكاياتٍ تنتظر من يقرأها بعين الباحث وشغف المحب.
