حين تدفع المؤسسات الثمن صمتاً
الفجوة "الخفية" بين الإدارة والموارد البشرية!
العنوان الفرعي:
لماذا يغادر الأكفاء رغم الرواتب الجيدة؟ وهل القوانين الصارمة هي الحل أم بداية الانهيار؟
قراءة تحليلية في "المنطقة الرمادية" داخل الشركات.
بقلم: ساره علي – استشاري تدريب
تتكرر الأسئلة ذاتها في أروقة أغلب المؤسسات والشركات:
- لماذا يرتفع مؤشر الاستقالات فجأة؟
- لماذا يكثر غياب الموظفين؟
- ولماذا ينخفض الأداء وتتراكم الأخطاء رغم وجود لوائح صارمة وأنظمة حوافز؟
الإجابة غالباً لا توجد في التقارير المالية، بل تختبئ في فجوة صامتة، لكنها عميقة للغاية، بين الإدارة التنفيذية وإدارة الموارد البشرية.
هذه الفجوة لا تتعلق بسوء النية بقدر ما تتعلق بـ اختلاف المنظور؛ فالإدارة العليا تركز بصرها على النتائج، الأرقام، السرعة، والالتزام. بينما تنظر الموارد البشرية إلى العنصر البشري، الدافع، الاستدامة، وبيئة العمل. وعندما يفشل الطرفان في توحيد الرؤية، تدفع المؤسسة الثمن غالياً.
فخ "القوانين الصارمة"
تلجأ كثير من الشركات إلى القوانين المشددة ظنًا منها أنها الحل السحري لضبط الأداء: لوائح حضور وانصراف بالدقيقة، سياسات جزاءات مغلظة، وتقارير متابعة لا تنتهي. لكن الواقع الميداني يقول شيئًا مختلفًا.
في تجربة عملية لإحدى الشركات الصناعية، قررت الإدارة تشديد نظام الخصم المالي على التأخير الصباحي. كانت النتيجة انضباطاً شكلياً تاماً في المواعيد، لكنه صاحبه:
- انخفاض ملموس في جودة المنتج
- زيادة في نسب الهالك
- ارتفاع حدة التوتر بين العمال
الموظفون حضروا بأجسادهم في الموعد، لكنهم حضروا بـ عقول مغلقة.
القاعدة الذهبية:
القانون يضبط السلوك الظاهري، لكنه لا يصنع الانتماء، بل أحيانًا يخلق مقاومة صامتة تضر أكثر مما تنفع.
"المدير المباشر"… بين المطرقة والسندان
من الأخطاء الشائعة تصوير العلاقة داخل المؤسسة كصراع ثنائي: موظف مظلوم ضد إدارة عليا قاسية. بينما الحقيقة أن هناك ضحية ثالثة صامتة: المدير المباشر (الإدارة الوسطى).
هذا الشخص يقع تحت ضغط هائل؛ فهو:
- مُطالب بتحقيق أرقام الإدارة العليا
- مُطالب بتطبيق سياسات الموارد البشرية
- مُطالب في الوقت نفسه باحتواء مشاعر فريقه
عندما تنحاز الموارد البشرية للموظف دون فهم ضغط الأرقام، أو تنحاز الإدارة العليا للأرقام دون مراعاة الأدوات المتاحة للمدير، ينكسر هذا المدير، وينقل ضغطه لفريقه بشكل لا إرادي… فتنهار المنظومة من المنتصف.
"لا يمكن للتقدير المعنوي أن يعوّض راتباً لا يكفي الحاجات الأساسية؛ فالكلمات الطيبة لا تدفع الفواتير… لكن غياب التقدير يهدم الحماس"
بيئة العمل… ليست "ديكوراً"
يعتقد البعض أن تحسين بيئة العمل يعني مساحات مفتوحة أو ماكينة قهوة حديثة. في الواقع، بيئة العمل هي الإحساس اليومي:
- هل يُسمع صوتي؟
- هل يُقدَّر جهدي؟
- هل تُناقَش أخطائي للتعلم أم تُرصد للإدانة؟
في حالة واقعية لشركة خدمات، كان معدل دوران الموظفين مرتفعًا رغم الرواتب التنافسية. التحليل العميق كشف السبب: مدير مباشر يستخدم أسلوباً تهكمياً، يقلل من مجهود الفريق وينسب النجاح لنفسه.
ورغم أن الموارد البشرية رصدت المشكلة، تجاهلتها الإدارة العليا بحجة أن "المدير يحقق أرقامًا جيدة". النتيجة؟ بعد عام واحد، خسروا نصف الفريق المحترف، وتراجعت الأرقام نفسها التي كانوا يضحون بالبشر من أجلها.
الواقعية في الحوافز
يُختزل الحافز غالبًا في المال، وهنا يجب أن نكون واقعيين:
- المال هو حجر الأساس
- لا يمكن للتقدير المعنوي أن يعوّض راتباً لا يكفي الاحتياجات الأساسية
لكن، بمجرد توفر العدالة المالية، يصبح التقدير هو الوقود الحقيقي للاستمرارية.
فالموظف الذي يعمل لأسابيع إضافية لإنجاح مشروع، ثم يجد الشكر موجهاً للإدارة فقط دون ذكر اسمه، لن يعود بنفس الحماس… ليس طمعاً في المال، بل لأن الرسالة وصلته بوضوح:
"مجهودك غير مرئي"
أين يكمن الحل؟
الحل ليس في الشعارات الرنانة، بل في إجراءات عملية تدمج الرؤيتين:
- قياس ما وراء الأرقام: استخدام أدوات مثل (eNPS) لقياس ولاء الموظفين، وإجراء مقابلات مغادرة صادقة لمعرفة الأسباب الحقيقية للاستقالات.
- تعديل معايير التقييم: محاسبة المدير على كيف حقق النتائج، وليس ماذا حقق فقط. النجاح القائم على حرق أعصاب الفريق هو فشل مؤجل.
- المشاركة: تحويل إدارة الموارد البشرية من "شرطة لوائح" إلى شريك استراتيجي في صنع القرار.
الخلاصة
الفجوة بين الإدارة والموارد البشرية ليست مشكلة تنظيمية، بل ثقافية.
- القانون ينظم
- الراتب العادل يؤسس
- البيئة تحتضن
وعندما تعمل هذه العناصر معًا، لا تحتاج المؤسسة إلى مراقبة مستمرة… لأن الناس سيعملون لأنهم يريدون، لا لأنهم مضطرون.
