كتب / طلبه عبدالكريم الجازوى
لم تعد الحياة كما كانت من قبل. لم يعد الخوف شعورًا عابرًا يظهر في المواقف الصعبة ثم يختفي، بل صار رفيقًا دائمًا، يسكن التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، ويزورنا دون موعد. نستيقظ قلقين، وننام على قلق، وبينهما نحاول أن نبدو أقوياء بينما أرواحنا متعبة.
الخوف لم يأتِ من فراغ. تراكمت الضغوط حتى صارت أثقل من أن تُحتمل. مسؤوليات لا تنتهي، ومتطلبات تزداد، وأمان يتناقص يومًا بعد يوم. أصبح المستقبل غامضًا، لا نعرف إن كان يحمل لنا فرجًا أم عبئًا جديدًا. ومع الغموض يولد القلق، ويكبر.
أكثر ما يؤلم أن هذا الخوف صامت. لا يراه الآخرون، ولا يعرفون كم معركة نخوضها داخلنا ونحن نبتسم لهم. نخاف على أرزاقنا، على صحتنا، على من نحب، وعلى أنفسنا من الانكسار. نخاف أن نخسر، ونخاف أن نتأخر، ونخاف أحيانًا بلا سبب واضح… فقط لأن القلب لم يعد مطمئنًا.
زاد الأمر سوءًا شعور الوحدة. رغم كثرة الناس، قلّ الاحتواء. كل شخص مشغول بجراحه، فلا أحد يملك رفاهية أن يسأل بصدق: “أنت بخير؟”. فنتعلم الكتمان، ونؤجل الانهيار، ونتعايش مع القلق كأنه جزء من شخصيتنا.
لكن الحقيقة التي لا ننتبه لها كثيرًا، أن هذا الخوف لا يعني ضعفًا. الخوف دليل على إنسان يشعر، يفكر، ويخشى الفقد. هو علامة على قلب حيّ، لا على نفس مهزومة. المشكلة ليست في الخوف ذاته، بل في بقائه دون تفريغ أو فهم.
نحتاج أحيانًا أن نتوقف، أن نعترف بتعبنا، أن نمنح أنفسنا حق القلق دون جلد أو إنكار. نحتاج إلى لحظة صدق مع النفس، نهدئ فيها سباق الأفكار، ونتذكر أن كثيرًا مما نخافه لم يحدث بعد، وربما لن يحدث أبدًا.
الحياة لم تصبح مخيفة لأننا ضعفاء، بل لأنها قاسية أكثر من اللازم. ومع ذلك، ما زال في القلب مساحة للأمل، ولو كانت صغيرة. يكفي أن نتمسك بها، وأن نصدق أن الخوف لا يدوم، وأن الطمأنينة قد تتأخر… لكنها لا تضيع
