📁عاااااااااجل

حين يُختصر الحوار الثقافي… قراءة في تهميش البرامج الثقافية في الإعلام

 حين يُختصر الحوار الثقافي… قراءة في تهميش البرام


ج الثقافية في الإعلام

بقلم: حسن غريب

لا يكفي أن تُنتج المؤسسات الإعلامية برامج ثقافية حتى نقول إن الثقافة حاضرة في المشهد الإعلامي، فالمسألة لا تتعلق بوجود برنامج يحمل عنوانًا ثقافيًا بقدر ما تتعلق بكيفية التعامل مع الثقافة نفسها: هل تُمنح حقها من الوقت والاهتمام والتوقيت المناسب؟ أم تُوضع في الهامش كواجب شكلي لا أكثر؟

من التجارب التي تكشف هذه المفارقة ما حدث معي أثناء تسجيل حلقة لبرنامج «ثقافة وإبداع» بالقناة الفضائية المصرية، يوم 22 يناير 2026، حيث امتد الحوار لما يزيد على ساعة إلا ربع، وتناول تجربتي النقدية وبعض مؤلفاتي. وقد أُجري اللقاء بمحاورة الإعلامي الأستاذ أحمد عبدالعظيم، وبإعداد الإعلامي محمود الببلاوي، وإخراج الفنان مصطفى يحيى عبدالعزيز.

جاءت المشاركة بعد رحلة سفر من العريش إلى القاهرة قبل موعد التسجيل بيوم كامل، مع الإقامة استعدادًا للحوار، وهو ما يعكس حجم الجهد الذي يبذله المثقف أحيانًا من أجل أن تصل الكلمة إلى الجمهور عبر شاشة التلفزيون.

لكن المفاجأة لم تكن في التسجيل، بل في طريقة البث.

فالحلقة لم تُعرض قريبًا من موعد تسجيلها، بل تأخر بثها إلى يوم الجمعة 27 فبراير 2026 في الساعة السابعة والنصف صباحًا، وهو توقيت بالغ الصعوبة للمشاهدة، خاصة أنه جاء في شهر رمضان، وفي صباح يوم الجمعة الذي يعد لدى كثير من الناس وقتًا للراحة أو الاستعداد للصلاة.

وإذا كان توقيت البث مثيرًا للتساؤل، فإن ما هو أكثر إثارة أن الحوار الذي استغرق أكثر من ساعة قد تم اختصاره عند البث إلى نحو ربع ساعة فقط، بما لا يعكس طبيعة الحديث ولا ثراء الموضوعات التي تناولها اللقاء.

بل إن المفارقة الأكبر أن المؤلفات التي طُلب مني إحضارها خصيصًا لعرضها أثناء الحلقة لم تظهر في النسخة التي تم بثها، وكأن الجهد الذي بُذل في التحضير للحوار لم يكن جزءًا من الصورة النهائية التي قُدمت للمشاهد.

هذه الواقعة لا تُذكر من باب الشكوى الشخصية، بل لأنها تكشف ظاهرة أوسع في الإعلام العربي، وهي تراجع مساحة الثقافة الحقيقية داخل البرامج التلفزيونية. فالبرامج الثقافية كثيرًا ما تُدفع إلى أوقات هامشية، أو تُختصر على نحو يفقدها عمقها، وكأن الثقافة ترف يمكن الاستغناء عنه، لا عنصرًا أساسيًا في تشكيل الوعي.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:

كيف نطالب المجتمع بالاهتمام بالثقافة، بينما تُعامل الثقافة إعلاميًا باعتبارها مادة ثانوية؟

إن المثقف حين يقبل الظهور في برنامج ثقافي لا يبحث عن حضور شخصي بقدر ما يسعى إلى أن تصل الفكرة إلى الناس، وأن يجد الكتاب والقلم مساحة في فضاء المشاهدة. لكن هذه المساحة لا تتحقق إلا عندما يُنظر إلى الثقافة بوصفها قيمة معرفية وتنويرية، لا مجرد فقرة قابلة للاختصار أو التأجيل.

لذلك فإن دعم البرامج الثقافية لا يكون فقط بإنتاجها، بل أيضًا بمنحها الوقت الكافي، والتوقيت المناسب، والاهتمام الحقيقي بمحتواها وضيوفها. فالإعلام الذي يختصر الثقافة إنما يختصر جزءًا من وعي المجتمع نفسه.

تعليقات