العزلة حين تتحول إلى مرآة العمر
حسن غريب
في بعض اللحظات يكتشف الإنسان أن أكثر الأماكن ازدحامًا قد يكون قلبه، وأن أكثرها وحدة قد تكون الغرفة التي يجلس فيها. هكذا أقبع في غرفتي الصغيرة، لا ونيس يشاركني الصمت، ولا صوت يخفف عني وطأة الكآبة التي تتسلل إلى المكان كما يتسلل الغبار إلى الأشياء القديمة. الجدران باهتة، والأثاث متعب، وكأن الزمن مرَّ هنا وترك أثره على كل شيء.
ليس في الغرفة ما يبدد هذا الفراغ؛ لا تلفاز يسرق لحظة من التفكير، ولا أجهزة مسلية تشغل الذهن عن ثقل الذكريات. المكان بسيط إلى حد القسوة، وصامت إلى حد أنه يضاعف شعور الإنسان بوحدته. في مثل هذه اللحظات يكتشف المرء أن الضجيج الذي كان يحيط بحياته يومًا لم يكن ترفًا كما ظن، بل كان ستارًا يحجب عنه مواجهة نفسه.
وسط هذا الصمت الطويل يصلني صوت قارئ القرآن من المسجد المجاور. يتردد صوته في الهواء كأنما يعبر مسافة العمر كله ليصل إلى قلبي. يقرأ الآية:
“واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله.”
تتوقف عندها الأفكار، ويصمت كل شيء في داخلي. ليست مجرد آية تُتلى، بل نداء خفي يوقظ في النفس حسابًا طويلًا مع الأيام التي مضت. فجأة تبدأ الذاكرة في فتح دفاترها القديمة، وتخرج منها وجوه وأماكن وأيام كنت أظنها لن تغيب أبدًا.
أتذكر حياتي كما كانت في زمنٍ مضى؛
أيام الحركة والضجيج،
الأصدقاء الذين كانوا يملأون الوقت كلامًا وضحكًا،
واللحظات التي كانت تبدو عادية لكنها في الحقيقة كانت أثمن مما ظننت.
وأنا الآن، في هذا السكون الثقيل، تتسلل الدموع دون أن أشعر. ليست دموع ضعف، بل دموع إنسان أدرك متأخرًا قيمة ما مرّ به من العمر. كم من وقتٍ ضاع دون أن نشعر، وكم من فرصٍ مرت بجوارنا ونحن نظن أن الأيام طويلة وأن المستقبل لا ينتهي.
العزلة قاسية، لكنها صادقة. فهي اللحظة التي يتجرد فيها الإنسان من كل ضجيج العالم، ويجلس وجهًا لوجه أمام نفسه. لا يبقى حينها إلا سؤال واحد يتردد في أعماق الروح: ماذا فعلت في عمري؟ وماذا بقي منه؟
ومع ذلك، فإن في هذا الصمت بصيص رجاء. فحين يوقظ الندم القلب، قد يكون ذلك بداية طريق جديد. فالإنسان ما دام حيًّا، فباب الرجوع لم يُغلق، وما دامت الآية تصل إلى القلب، فربما لم يفت الأوان بعد.
لعل هذه الغرفة الصامتة، بكل ما فيها من وحشة، ليست نهاية الحكاية، بل لحظة صدق نادرة يتوقف عندها العمر قليلًا، ليتأمل نفسه… ويبدأ من جديد.
