📁عاااااااااجل

بين المعطف الأبيض وحسرة الطريق

كتب: محمد فاضل

 يقف المرء في منتصف الطريق، لا هو الذي بلغ القمة فاستراح، ولا هو الذي بقي في السفح فاطمأن. 

يقف حائرًا كمن أضاع البوصلة في صحراء مترامية الأطراف؛ يرى السراب أمامه فيحسبه نجاة، فإذا اقترب منه تلاشى، ويستدير خلفه فلا يجد إلا آثار خطواته وقد محتها الرياح.

  كان يظن أن الطريق إلى الطب مفروشٌ بالمعاطف البيضاء والهيبة والامتنان، ولم يكن يعلم أن خلف ذلك البياض ليالي سوداء من السهر، وأن وراء كل ابتسامة طبيب دمعة خفية لا يراها أحد. 

دخل الميدان شغوفًا، متحمسًا، يحمل أحلامًا أكبر من عمره، ويحدث نفسه أنه سيكون يومًا ما سببًا في شفاء مريض أو إنقاذ روح. لكنه حين توغّل في التفاصيل، اصطدم بجبالٍ من المحاضرات، وبحارٍ من المصطلحات، وأيامٍ تتشابه حتى يختلط عليه الأمس بالغد.

تتزاحم الأسئلة في رأسه: أهذا ما أردته حقًا؟ أأنا أسير حلمي أم أسير توقعات غيري؟ ولماذا يبدو الطريق أطول كلما تقدمت خطوة؟ يحاول أن يمضي، فيثقل قلبه قبل قدميه، ويحاول أن يعود، فيجد أن الرجوع أثقل وأقسى.

 فيهمس في لحظة ضعف: ليتني لم أسلك للطب طريقًا.

 غير أن الهمس نفسه يحمل في طياته اعترافًا خفيًا؛ فهو لم يترك الطريق بعد. 

ما زال واقفًا عليه، متعبًا نعم، لكنه ثابت. فالحيرة ليست دليل فشل، بل علامة وعي. 

والندم العابر ليس حكمًا نهائيًا، بل غمامة صيف سرعان ما تنقشع.

وربما، حين يلتفت يومًا إلى الوراء بعد سنوات، سيبتسم لذلك الشاب الذي وقف حائرًا في منتصف الطريق، وسيقول له: لم يكن الطريق سهلًا، لكنه كان جديرًا بأن يُسلك.

تعليقات