بين واقع مرير وأملٍ أسير
بقلم/ أسماء احمد محمد علي
كانت الحياة في بداياتها بالنسبة لي لوحة ربيع مزهرة، تتوشح بألوان الفرح، وتغمرها دفء العائلة وحنان القلوب. كنت أظن أن السعادة قد منحتني تاجها، وأن الأرض قد أزهرت تحت قدمي، وأن كل يوم هو وعدٌ جديد من السماء. أنا اسمي "حنين"، فتاة بسيطة الملامح، هادئة الروح، أحب السكينة وأميل إلى الصمت العميق، أعيش بين أب محب وأم حنون. بيتنا كان صغيرًا، لكنه ممتلئ بالدفء، فالأمان لا يُقاس باتساع الجدران، بل باتساع القلوب.
طفولتي كانت مليئة بلحظات صغيرة لكنها باقية في قلبي؛ ضحكات مع إخوتي تملأ زوايا البيت كأجراسٍ رنّانة، جلسات المساء مع أبي وهو يحكي لنا قصصًا عن الصبر والإيمان، ويدي الصغيرة وهي تتشبث بيد أمي في الأسواق، أشم رائحة الخبز الطازج من بعيد وأشعر أنني في حضنها محمية من كل شيء. كنت أشعر أنني محاطة بعالم يحرسني، عالم لا يخترقه الخوف. كنت أظن أن كل ما حولي خالد، وأن الأحبة لا يرحلون، وأن البيوت تبقى كما هي مهما مرت الأيام. كنت أظن أن الحياة لون واحد، هو لون السعادة فقط، وأن الأيام القادمة هي الأجمل.
كبرت شيئًا فشيئًا، وصرت أرى الدنيا بألوانها الكاملة. لم تكن طفولتي سوى مقدمة لرحلة طويلة مليئة بالأحداث. كنت أرى الناس حولي يكبرون ويتزوجون ويبنون بيوتًا جديدة، وكنت أحلم أن أكون واحدة منهم. وفي يوم ما، طرق القدر باب حياتي على هيئة رجل اسمه محمود. لم يكن كأي رجل، ليس فقط لأنه مثقف وطيب، بل لأنه كان ينظر إليّ وكأنني كل ما في العالم. في أول لقاء بيننا، شعرت أن قلبي وجد نصفه الآخر. كان محمود جميل الطباع، رقيق المعاملة، يزرع الطمأنينة في صدري بكلمة، ويرسم أحلامه في عينيّ كأنها لوحة مستقبلية أعيش تفاصيلها قبل أن تتحقق. كنت أضحك بوجه مشرق وأتمنى أن تكون الأيام القادمة مثل حلم جميل أتمنى أن يدوم.
تزوجنا، وسافرنا معًا إلى الخارج، وهناك عشنا أيامًا تشبه الأحلام. لم تكن الغربة سهلة، لكنها بدت لي جنة صغيرة بوجوده. كنت أستيقظ على صوته وهو يقول لي: "صباح الخير يا حنين"، فأشعر أن العالم كله يبتسم لي. كنا نواجه صعوبات الحياة معًا، لكن حبه كان درعًا يحميني، وحنانه كان وطنًا يحويني. كل صباح كان يبدأ بابتسامة، كل مساء كان ينتهي بدعاء، وكل لحظة بيننا كانت أغنية هادئة للعمر. وفي حضنه، لم أعرف الخوف يومًا. كانت الأرواح الطيبة حين تلتقي، تسكن السكينة والطمأنينة والراحة القلوب. هكذا كانت حياتي مع محمود.
ومع ميلاد أنس، طفلنا الأول، اكتملت الصورة. كان قمرًا يضيء ليالي العمر، ونجمة تهبط من السماء لتسكن قلبي. حين حملته لأول مرة بين يدي، شعرت أن الدنيا كلها بين ذراعي، وأن روحي خرجت مني لتسكن جسدًا صغيرًا ينظر إليّ بعينين لامعتين. كانت أنفاسه الصغيرة تملأ البيت حبًا، وكانت ضحكاته كالموسيقى التي تعزف لحن السعادة في قلبي.
كبر أنس أمامي، قطعة من روحي تمشي على الأرض، يضحك فيضحك البيت كله، يمرض قليلًا فأرتبك وكأن العالم ينهار. كنت أرى فيه ملامح أبيه، صوته حين ينادي عليّ كان يذكرني بمحمود، وابتسامته كانت تضيء ظلام غربتي. كنت أخطط أن يكون امتدادًا لنجاح أبيه، أن يرفع اسمه يومًا، وأن يكون عزائي حين يثقل العمر على كتفي. كنت أتصور له مستقبلًا باهرًا، وأرسم في خيالي صورته وهو يرتدي ثوب التخرج، أو وهو يرافقني في شيخوختي ليكون سندًا ورفيقًا.
لكن القدر، بطبيعته الماكرة، لا يمنح وعدًا بلا اختبار. في ليلة بدت عادية تمامًا، رنّ الهاتف فجأة. التقطت السماعة، ويدي ترتجف بلا سبب، فجاءني صوت غريب متقطع يخبرني بما لم أتصور يومًا أن أسمعه. سقط الكوب من يدي على الأرض وتناثر زجاجه، وكأن روحي هي الأخرى تكسرت. رحل محمود بلا وداع، حادث مفاجئ أنهى كل شيء، تركني وحيدة في مواجهة الحياة، ومعي طفل لم يعرف بعد معنى الفقد. كان رحيله أول صدمة تكسرني، لكني تمسكت بأنس، وجعلته كل حياتي، كل أملي، وكل ما تبقى من ابتساماتي. صرت أعيش من أجله فقط، وأجمع قوتي لأجله وحده،
مرت السنوات، وكبر أنس حتى صار في الصف السادس الابتدائي. كنت أراقب وسامته وهو يزداد يومًا بعد يوم، عقله الذي يفوق سنه، حنانه الذي يذكرني بوالده. كان يحاول دائمًا أن يواسيني، كأنه رجل صغير يحمل همي على كتفيه. كنت أقول في نفسي: هذا كل ما تبقى لي، هذا هو الأمان الذي منحني الله إياه. وكنت انتظر حضوره من المدرسة ولا احتمل غيانه عني أنه إذا غاب عني تغيب عني الحياة فهو بالنسبة لي الحياة ،وصوت ضحكاته يغمرني بالسعادة،
لكن ذات صباح، بدا أنس شاحب الوجه، يتصبب جبينه عرقًا رغم برودة الجو. حاول أن يبتسم قائلًا بصوت ضعيف: "ماما أنا كويس"، لكنه لم يقنعني. الحمى لا تفارقه، والتعب يثقل جسده الصغير. أخذته للطبيب، والقلب يرتجف في صدري، حتى جاءت الفحوصات كالصاعقة. قال الطبيب إنه يعاني من مرض خطير. سألته بلهفة: "ما هذا المرض؟" فقال بصوت هادئ: "إنه سرطان."
كدت أسقط أرضًا، لكن الطبيب طمأنني أن العلاج تطور وأن الشفاء ممكن. لم يخبرني أن حالة أنس متأخرة. كنت أتشبث بأي خيط من الأمل، أزرع في وجه ابني ابتسامة رغم أن قلبي ينهار كل لحظة. كنت أردد في سري: "اللهم خذ من عمري وأعطه العمر كله."
بدأت معركتنا. كنت أقاتل معه في كل جلسة علاج، أمسك بيده حين يدخل غرفة الكيماوي، وأخفي دموعي وراء ابتسامة مصطنعة. كنت أقرأ له القصص بصوت مرتعش وهو يتألم، أقبّل جبينه كل ليلة، وأقول له: "أنت بطل يا أنس، وستنتصر."
ومع امل في غدا أفضل يكون فيه انس قد شُفي من هذا المرض
وذات يوم، جاء الخبر الذي جعلني أتنفس الحياة من جديد: المرض تلاشى. احتضنته وكأنني احتضنت الجنة بأكملها، وكأن روحي عادت إلى جسدي بعد غياب طويل. خرجنا من المستشفى، والشمس بدت أكثر دفئًا، والسماء أكثر نقاءً. كان انتصاري على المرض كانتصار محراب حرر وطنه من عدو فتاك
لا يريد أن ينهي حياتك فقط ولكنه يرد أن يريك العذاب في كل ثانيه تعيشه من حياتك ولكن الفرحة لم تدم طويلا فعاد المرض مرة أخرى لأن السرطان مثل الذئب الذي يتربص بك في الظلام، عاد من جديد. هذه المرة لم يترك مجالًا للحلم. الأطباء أخبروني أن العلاج لم يعد يجدي. جلست على كرسي المستشفى وأنا أسمع الكلمات تتناثر كرصاص في صدري. كان أنس يبتسم لي، وكأنه يريد أن يخفف عني. قال لي مرة وهو ينظر في عيني: " هذه هي ارداة الله. كان عنده املاً في الشفاء وقال لي امي لا اريد أن اموت واتركك لوحدك
تلك الجملة لم تفارقني أبدًا.
وفي صباح وداعه الأخير، جلست بجانبه، أضم يده الصغيرة بين كفي، أبحث عن أنفاسه وكأنني أريد حفظها داخلي. كان جسده ضعيفًا، لكن ابتسامته ما زالت قوية. همست له بصوت مرتجف:
"سنلتقي يا حبيبي في عالم آخر... عالم بلا مرض ولا فراق. هناك، حيث الأرواح ترتقي، سأظل بجوارك إلى الأبد."
رحل أنس، وأخذ معه قلبي كله. ومنذ ذلك اليوم، صارت الحياة عندي لونًا واحدًا... أسود، لكن بداخلي بريق أمل وحيد ينتظر اللقاء من جديد. لم أعد أرى الناس كما كنت، لم أعد أضحك كما اعتدت. كل شيء صار ناقصًا، كأن قطعة من روحي سُرقت ولن تعود.ما بين فراق ومابين ندم على حياة منحتني طفلا جميلا هادي الطباع كنت اعلمه تحمل المسؤولية و كان يحمل معي هم فراق والده لا كطفل عادي يلهو ويلعب دون هموم ولكن الحياة لم تمنحنا فرصا ثانية حتى نعوض ما اقترفناه من اخطاء وكنت احيانا
أجلس أمام نافذة البيت، أستعيد ضحكاته، صوته وهو يناديني "ماما"، خطواته الصغيرة وهي تملأ الممر. أغمض عيني فأراه يركض نحوي، ثم أفتحها فلا أجد إلا الفراغ.
لقد أصبحت أيامي بين ذكرى وجرح، بين حلم لم يكتمل وأمل مؤجل للآخرة. لم أعد أنتظر شيئًا من الدنيا، سوى ذلك اللقاء المنتظر... اللقاء الذي سيعيد لي محمود، ويعيد لي أنس، ويعيد لروحي ما فقدته منذ زمن.