📁عاااااااااجل

حين لا يهتز القلب عن صمت أشد قسوة من الغياب

 حين لا يهتزّ القلب… عن صمتٍ أشدُّ قسوة من الغياب



حسن غريب 


أحيانًا لا تكون الصدمة في المصيبة نفسها، بل في ردود أفعال الناس عليها. فالمحنة، مهما بلغت قسوتها، تظل حدثًا يمكن للإنسان أن يصبر عليه أو يحاول تجاوزه، لكن ما يصعب احتماله حقًا هو أن تتحول آلامه إلى مشهد عابر في عيون الآخرين، لا يثير سؤالًا، ولا يحرك شعورًا، ولا يستدعي حتى كلمة تعاطف.

قد يكتب الإنسان عن ألمه، فيظن أن الكلمات ربما توقظ في قلوب من حوله شيئًا من الإحساس. وقد يعرض مشهدًا مؤلمًا، أو فيديو يمزق نياط القلب، لعل الصورة تكون أبلغ من الكلام، ولعلها تلامس منطقة إنسانية ما زالت حية في نفوس من يشاهدونها. لكن المفاجأة القاسية أن بعض القلوب تمر على كل ذلك وكأنها تمر على خبر عابر في صفحة مزدحمة بالأخبار.

الفيديو الذي يحمل وجعًا حقيقيًا، والذي قد يجعل الغريب يتوقف لحظة ويشعر بالأسى، قد لا يحرّك ساكنًا لدى بعض من نظنهم أقرب الناس إلينا في دوائر المعرفة. وكأن المشهد لا يعنيهم، أو كأن الألم الذي يعيشه صاحبه يحدث في عالم بعيد لا صلة لهم به.

وهنا يكتشف الإنسان حقيقة موجعة: ليس كل من يرى يتأثر، وليس كل من يعرف يشعر. فهناك مسافة خفية بين المعرفة الإنسانية الحقيقية وبين مجرد الاطلاع البارد على أحوال الآخرين.

إن وسائل التواصل جعلت من الألم مادة قابلة للمشاهدة، لكنها لم تجعل القلوب بالضرورة أكثر رحمة. فكثير من الناس يمرّون على المآسي كما يمرون على الصور العابرة، يضغطون زرّ الإعجاب أحيانًا، أو يكتفون بالصمت غالبًا، ثم يمضون إلى يومهم كأن شيئًا لم يكن.

لكن الحقيقة التي يجب أن نتذكرها دائمًا أن الإنسانية لا تقاس بعدد من يشاهدون الألم، بل بعدد من يشعرون به. فالفرق كبير بين من يرى بعينيه، ومن يرى بقلبه.

وقد يكون مؤلمًا أن نكتشف أن بعض القلوب لم تهتز حتى أمام مشهد يمزق الروح، لكن هذا الاكتشاف، رغم قسوته، يمنحنا وضوحًا مهمًا. فهو يكشف لنا من بقيت في داخله مساحة حقيقية للإنسان، ومن أصبح مجرد متفرج على آلام الآخرين.

وفي النهاية، قد لا يغير صمت البعض شيئًا من حقيقة الألم، لكنه يغير كثيرًا من نظرتنا للعلاقات. فالأصدقاء الحقيقيون لا يحتاجون إلى مشاهد دامية كي يتحركوا، ولا ينتظرون أن يتحول الوجع إلى فيديو كي يشعروا به.

يكفيهم أن يعرفوا…

ليدركوا أن هناك قلبًا يتألم.

تعليقات