📁عاااااااااجل

روح إنسانية خلف الأسوار

بقلم محمد صالح العوضي

لم تعد مراكز الإصلاح والتأهيل مجرد أماكن لتنفيذ العقوبة، بل أصبحت مساحات إنسانية تعكس تطورًا حقيقيًا في مفهوم العدالة، حيث يتقدم الإنسان على ما سواه، وتُصان كرامته، وتُحترم معتقداته، وتُفتح أمامه أبواب الأمل من جديد.
وفي مشهد يعكس هذا التحول، جاءت احتفالات عيد القيامة المجيد داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، لتؤكد أن القيم الدينية والروحية لا تعرف حدودًا أو قيودًا، وأن ممارسة الشعائر حق أصيل لكل إنسان، مهما كانت ظروفه. قدّاس العيد الذي أُقيم داخل هذه المراكز، لم يكن مجرد طقس ديني، بل رسالة واضحة بأن الدولة تمضي بخطى ثابتة نحو ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان بمعناها الشامل.

الأجواء التي غلبت عليها البهجة والسكينة بين النزلاء، بحضور رجال الدين المسيحي، لم تكن سوى انعكاس حقيقي لما تشهده المنظومة العقابية من تطوير، يهدف إلى إعادة بناء الإنسان نفسيًا وفكريًا، لا مجرد معاقبته. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الداخل، من إعادة تشكيل الوعي، وغرس القيم الإيجابية.

ولعل المشهد الأبرز الذي يستحق التوقف، هو مشاركة علماء الأزهر الشريف لإخوانهم المسيحيين فرحتهم، في صورة تجسد عمق الوحدة الوطنية، وتؤكد أن نسيج هذا الوطن لا يتأثر بالاختلاف، بل يزداد قوة به. إنها رسالة محبة وتسامح، تخرج من خلف الأسوار لتصل إلى المجتمع بأكمله.

ولم تقتصر مظاهر الاحتفال على الجانب الروحي فقط، بل امتدت لتشمل لمسة إنسانية دافئة، تمثلت في توزيع كعك العيد، الذي صُنع بأيدي النزلاء أنفسهم، في دلالة واضحة على نجاح برامج التأهيل في تحويل الطاقات إلى إنتاج، ومنح الأمل لمن يستحق فرصة جديدة.

إن ما نشهده اليوم داخل مراكز الإصلاح والتأهيل، هو نموذج يُحتذى به في كيفية تحقيق التوازن بين العدالة والإنسانية، بين المحاسبة وإعادة البناء. فالمجتمعات لا تتقدم بالعقاب وحده، بل بالإصلاح، ولا تُبنى بإقصاء أبنائها، بل باحتوائهم وإعادة دمجهم.

تعليقات