السمسرة بين الفوضى وضرورة التنظيم
قلم محمد صالح العوضي
أصبحت مهنة السمسرة في مجال البيع والشراء، خاصة في القطاع العقاري، من أكثر المجالات التي تحتاج إلى تدخل عاجل وتنظيم واضح من الدولة، بعدما تحولت في بعض الأحيان إلى باب واسع للاستغلال وتحقيق أرباح ضخمة دون ضوابط حقيقية أو مسؤولية قانونية.
في السنوات الأخيرة، انتشرت ظاهرة دخول أشخاص إلى هذا المجال دون خبرة أو تراخيص أو أي إطار قانوني منظم، مستفيدين فقط من الهاتف المحمول ووسائل التواصل الاجتماعي، ليصبح البعض وسيطًا بين البائع والمشتري دون أي التزام مهني أو قانوني. الأخطر من ذلك أن بعض العمولات أصبحت مبالغًا فيها، ووصلت في بعض الحالات إلى مئات الآلاف من الجنيهات، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على المواطن الباحث عن سكن أو استثمار.
ومع تغيير المسميات من "سمسار" إلى "مسوّق عقاري" أو "مطور عقاري"، بقيت المشكلة كما هي: غياب الرقابة وغياب المعايير الواضحة. فليس كل من يمتلك هاتفًا أو صفحة إلكترونية يحق له التعامل في أموال الناس ومستقبلهم العقاري دون مساءلة.
كما يطرح هذا الواقع تساؤلات مهمة حول حق الدولة في تحصيل الضرائب والرسوم من هذه الأنشطة التي تدر أرباحًا كبيرة، بينما جزء كبير منها يتم خارج المنظومة الرسمية. وهو ما يحرم الخزانة العامة من موارد مستحقة، ويترك المواطن وحده في مواجهة سوق غير منضبط.
إن الحل لا يكمن في منع المهنة، بل في تقنينها وتنظيمها. وذلك من خلال إصدار قانون واضح يحدد شروط مزاولة السمسرة، وإلزام العاملين بها بالحصول على تراخيص رسمية، وتحديد نسب عادلة للعمولات، وإنشاء سجل معتمد للوسطاء العقاريين، مع فرض رقابة ضريبية وإدارية تضمن الشفافية وتحمي حقوق جميع الأطراف.
إن تنظيم سوق السمسرة لم يعد رفاهية، بل ضرورة لحماية المواطنين، ودعم الاقتصاد الرسمي، وإعادة الثقة إلى سوق البيع والشراء في مصر.
