جبال الدم: تراتيل الموت والذهب
بقلم: فاطمة باهر رجب
جبال الدم
الفصل الأول: صرخة في جوف الليل
في تلك الليالي الصعيدية التي يمتد فيها الصمت ككفن أسود، حيث لا تسمع إلا عواء الذئاب الذي يمزق سكون الجبل، دوت صرخة هزت أركان "نجع الجبل"، تلاها أزيز رصاصة غادرة خرق صمت المدى. انتفض مجاهد من مرقده، مستشعرا خطرا يلوح في الأفق. خرج يجوب الأزقة المظلمة، ليفاجأ بـ "كلب" صديقه الوفي عوني، يهرع إليه ملطخا بالدماء، ينبح بنبرة استغاثة بشرية، وكأنما يحمل في عينيه فجيعة الخبر.
اقتفى مجاهد أثر الكلب نحو الكهف المهجور في حضن الجبل. هناك، وسط الظلمة الدامسة التي لا يخترقها بصيص نور، انزلقت قدماه في سائلٍ لزج، وسمع صوت عوني الواهن يخرج كحشرجة الموت: "أنقذني يا مجاهد.. اغسل عاري..". وقبل أن يدرك مجاهد كنه الكارثة، لفظ عوني حرفا واحدا كان هو "اللغز والمقصلة": "م..."، ثم أسلم الروح.
اقرأ أيضا
 |
| فاطمة باهر رجب |
الفصل الثاني: سوء الظن وطوفان الدماء
عاد مجاهد إلى داره كالمجذوب، ليرى تحت ضوء المصباح أن ثيابه وما علق بقدميه لم يكن طينا، بل كانت دماء صديقه التي شربتها الأرض. هناك، بدأت الشكوك تنهش عقله. رأى جرحا في يد زوجته مريم (أخت عوني)، ورأى ارتباكا في عيني منى (أرملة عوني) وهي تتحدث عن خروج "ملثم" من دارها.
كان حرف "الميم" يدور في رأسه كالإعصار.. أهي مريم؟ أم منى؟ أم هو منصور ابن العم؟
حين رأى منصور يتسلل نحو الجبل، لم يمهله مجاهد ليفسر له. بل ظن أن الخيانة قد وقعت، وأن الذهب الذي ينقبون عنه في الخفاء قد أعمى القلوب. بدم بارد، و كاتم صوت لا يرحم، أردى مجاهد منصورا، ومنى، والحاج محمد قتلى في قلب الكهف. وبينما كانت منى تلفظ أنفاسها، سألته بذهول: "لماذا؟"، فأجابها بمرارة: "لأغسل عار صديقي"، فصدمته بحقيقتها الأخيرة: "لقد كنا نجمع الذهب لنحميه..".
اقرأ أيضا
الفصل الثالث: انهيار الهيكل
عاش مجاهد ليلة هي أطول من العمر. عاد لبيته، وحين حاولت زوجته مريم استيضاح الأمر وهي تصرخ من هول منظره، كتم أنفاسها بيديه الملطختين بالدماء، لتموت بين يديه في لحظة ذعرٍ وجنون. وجد نفسه يحمل جثة زوجته ليدفنها بجوار أخيها، محولا الجبل إلى مقبرة لعائلته ومستقبله.
لكن الحقيقة كانت تختبئ في مكانٍ آخر. اكتشف مجاهد أن القاتل الحقيقي لم يكن منصورا ولا منى، بل كانت أخته الكبرى منال. هي من قتلت عوني طمعا في حقيبة الذهب، وهي من كانت تدير خيوط اللعبة من خلف الستار.
اقرأ أيضا
الخاتمة: عدالة الجبل
في مواجهة أخيرة تحت سقف الكهف الملعون، اعترفت منال بجرمها وهي تصوب سلاحها نحو أخيها. لكن رصاصة مجاهد كانت الأسبق، لتسقط منال جثة هامدة فوق تلال الذهب الزائف.
لم تشرق الشمس إلا والشرطة تحاصر المكان. استسلم مجاهد، ليس خوفا، بل رغبة في نهاية هذا الكابوس. اعترف بكل شيء، وحمى مودة (ابنة عوني) من براثن تجار الذهب، ليسدل الستار على حياته بحكم الإعدام، تاركا خلفه "جبال الدم" تشهد على أن الظن قد يقتل أكثر مما يقتل الرصاص.