📁عاااااااااجل

الهيئة العامة لقصور الثقافة رؤية مستقبلية

بقلم/ أحمد فوزى 



لم تولد فكرة قصور الثقافة في مصر مبانٍ فقط بل حلم ثقافي مبكر لنشر الثقافة خارج العاصمة فقد بدأت الفكرة منذ عام ١٩٤٥ تحت مسمى الجامعة الشعبية علي يد أحمد أمين بهدف نشر الثقافة والفنون بين الجمهور في المحافظات ثم تطورت لاحقا إلى الثقافة الجماهيرية ودور سعد كامل في ذلك قبل أن تتحول بالقرار رقم (٦٣) لسنة (١٩٨٩) إلى هيئة عامة باسم الهيئة العامة لقصور الثقافة لتكون ذراع أساسي للدولة في نشر الثقافة والفنون والآداب والمكتبات وأنشطة الأطفال والشباب والمرأة في جميع أنحاء الجمهورية

وفي تلك المرحلة المبكرة لعبت قصور الثقافة دورا حيويا بل كانت مركزا لاكتشاف المواهب المسرحية والأدبية والفنية وصارت ملتقى للوعي الحقيقي في الأقاليم حيث كانت الثقافة تصنع داخل المجتمع لا تستورد من الخارج ومع مرور الزمن اتسعت الشبكة لتشمل مئات المواقع وأصبحت تغطي القرى والمدن بهدف رفع المستوى الثقافي وتنمية الذوق العام وتوجيه الوعي وترسيخ للهوية الثقافية

لكن هذا الدور بدأ يتباطأ تدريجيا ولم يكن السبب قرارا واحدا بل تراكم عدة عوامل ساعدت في ذلك منها: 

توسع المباني دون تطوير موازٍ في المحتوى 

تغول المركزية الإدارية 

تغير طبيعة الجمهور مع صعود الإعلام الرقمي 

بالإضافة إلى تركيز فترات طويلة على تشغيل المواقع تحت ضغط القوى المحلية بدل تطوير البرامج والخطط الثقافية 

حتى مع استمرار تنظيم آلاف الفعاليات سنويا ظل التحدي في جودة التأثير وليس عدد الأنشطة وهو ما دفع القيادة السياسية مؤخرا وأكثر من مرة للتأكيد على أن قصور الثقافة تمثل ركيزة أساسية لبناء الوعي وتحتاج إلى تطوير شامل يشمل البنى والبرامج والتحول الرقمي

ومما سبق يمكن قراءة الواقع الثقافي قراءة واقعية لا تعتمد على الانطباعات بل على مؤشرات واضحة:

أولا يتمثل في اتساع البنية الأساسية مقابل محدودية التأثير فمواقع هيئة قصور الثقافة أصبحت كبيرة وكثيرة وتنظم عشرات الآلاف من الفعاليات سنويا وتصل إلى المواطنين ولكن التأثير لا يزال دون الطموح 

وعليه فإن الانتقال من نموذج الحدث إلى نموذج البرنامج الدائم بحيث يتحول كل موقع ثقافة إلى مشروع مستمر في مجالات المسرح والتراث والفنون الشعبية والتدريب الرقمي بدل تشتيت الجهود بفعاليات متفرقة

ثانيا تغير طبيعة الجمهور فالشباب اليوم يتلقى المعرفة عبر المنصات الرقمية أكثر من القاعات التقليدية وهو ما يفرض إعادة تعريف الدور الثقافي

والحل هو دمج التحول الرقمي في العمل الثقافي من خلال منصات بث رقمي للفعاليات وورش رقمية ومحتوى تفاعلي وتوثيق إلكتروني للتراث المحلي بحيث يصبح الموقع الثقافي منتجا للمحتوى لا مجرد مستضيف للأنشطة

ثالثا الحاجة إلى ربط الثقافة بالتنمية المحلية حيث أثبتت التجربة أن المواقع التي ارتبطت ببيئتها من خلال حرف أو تراث أو فنون كانت أكثر حضورا وتأثيرا

وعليه فإن منح كل إقليم حرية صياغة هويته الثقافية الخاصة لتصبح قصور الثقافة مراكز للذاكرة المحلية والتنمية الثقافية المرتبطة بالمجتمع

رابعا مركزية القرار الثقافي رغم انتشار المواقع الثقافية ظل التخطيط لفترات طويلة مركزيا مما أدى إلى تكرار البرامج وعدم مراعاة خصوصية كل محافظة

ولعل اللجوء إلى تطبيق لامركزية تدريجية في وضع البرامج مع تقييم الأداء بناء على تأثير كل موقع داخل مجتمعه

خامسا تغير مفهوم القوة الناعمة للدولة فالثقافة لم تعد نشاطا ترفيهيا بل أداة لصناعة الوعي وتعزيز الهوية الوطنية بل أصبحت رقما في الدخل القومي لكثير من الدول

وهذا يدفعنا إلى توجيه البرامج الثقافية نحو القضايا المجتمعية حيث تعزيز الانتماء والحفاظ علي الهوية الوطنية وترسيخ الوعي ودعم إبداعات الشباب وربط الثقافة بمشروع بناء الإنسان ومشروع للتدريب التحويلي 

من خلال هذه الكلمات البسيطة الموجزة يمكن تشكيل تصور مستقبلي واضح حيث يمكن لهيئة قصور الثقافة أن تتحول من مبانٍ إدارية إلى شبكة فاعلة لصناعة الوعي إذا انتقلت من الكم إلى الكيف ومن المركزية إلى الخصوصية المحلية ومن النشاط الموسمي إلى المشروع الثقافي المستدام والمستمد من الهوية المحلية لكل محافظة 

ولعل ما يحدث الآن علي الساحة المحلية والاقليمية والدولية يعد فرصة حقيقية لإعادة تعريف دور هيئة قصور الثقافة خاصة في ظل إدراك الدولة لأهميتها في بناء الوعي والحفاظ علي الهوية وقد تستعيد هيئة قصور الثقافة دورها كجسور بين الدولة والمجتمع وكمعامل لإنتاج الفكر والإبداع في الأقاليم وليس مجرد منصات لعرض الأنشطة

وبهذا المعنى يصبح مستقبل الثقافة مرتبطا بقدرة قصور الثقافة على التحول من ثقافة تقدم للجمهور إلى ثقافة يصنعها الجمهور وهو التحول الذي يمكن أن يعيد للثقافة دورها الحقيقي في خدمة الدولة والمجتمع

أحمد فوزي

تعليقات