📁عاااااااااجل

أسد الدفاع الجوي: مواقف باسلّة للعريف رجب محمد علي في مواجهة طيران العدو.

ثلاثة أشقاء في قلب النار: حكاية العريف "رجب" وعائلته التي لم تنتظر "الإعفاء" لتكتب النصر

بقلم فاطمة باهر رجب

عريف مجند رجب محمد على
عريف مجند رجب محمد على 


في تاريخ العسكرية المصرية، هناك قصص تتجاوز مجرد سرد التكتيكات العسكرية لتتحول إلى ملاحم إنسانية تعكس عقيدة شعب. ومن بين هذه الملاحم، تبرز قصة العريف مجند رجب محمد علي، أحد أبطال الجيش الثاني الميداني، الذي لم يكن يواجه العدو بسلاحه "المضاد للطائرات" (م ط) فحسب، بل كان يستند إلى إرث عائلي صعيدي يرى في تراب الوطن عرضا لا يقبل القسمة.

اقرأ أيضا

 

عقيدة الصعيد: الرجولة تبدأ من "الميدان"

نشأ رجب في عائلة صعيدية أصيلة، حيث تسود قيم تضع الخدمة العسكرية في مرتبة القداسة. في بيته، لم تكن الخدمة في القوات المسلحة مجرد التزام قانوني، بل كانت شهادة "كمال أهلية". فوفقا للموروث الذي نشأ عليه، لا يعتبر الرجل كامل الثقة والرجولة إلا إذا مر بمصنع الرجال وارتدى الزي العسكري. هذه القناعة تجسدت في موقف مهيب. فرغم أن القانون العسكري قد يمنح إعفاء لأحد الأشقاء في حال وجود إخوة آخرين في الخدمة، إلا أن "رجب" و شقيقيه (الأكبر و الأصغر) اتخذوا قرارا جماعيا: الكل في الجبهة، والكل فداء لمصر. هكذا، تفرق الأشقاء الثلاثة في وحدات مختلفة، يجمعهم هدف واحد هو استرداد الأرض الكرامة، تاركين خلفهم دعوات أم صابرة وفخر أب لا يلين.

اقرأ أيضا

 

السادس من أكتوبر: حين زأر "المضاد للطائرات"

مع انطلاق صيحات "الله أكبر" في العاشر من رمضان، كان العريف رجب محمد علي في موقعه بالجيش الثاني الميداني، ممسكا بسلاحه "م ط". كانت مهمته حماية القوات المترجلة والجسور التي بدأت تمتد فوق القناة من "خناجر" العدو الجوية. يروي رجب عن تلك اللحظات قائلا: "لم نكن نرى الطائرات كآلات صماء، بل كنا نراها عائقا بيننا وبين استعادة حقنا". خاض رجب معارك باسلّة، حيث كان يتعامل مع طيران العدو الذي حاول بيأس استهداف معابر العبور. في إحدى المواجهات، وتحت قصف مدفعي كثيف، ثبت رجب خلف سلاحه، مصوبا بدقة متناهية، محولا أسطورة "الذراع الطويلة لإسرائيل" إلى حطام يتساقط في مياه القناة. لم تكن المعركة بالنسبة له مجرد ضغط على الزناد، بل كانت مباراة إرادة. يتذكر رجب كيف كان الظمأ في نهار رمضان يزيده قوة، وكأن الصيام لم يكن جوعا بل تطهيرا للروح قبل نيل الشهادة أو النصر.  

دروس من قلب الخندق: ما وراء الرصاص

خلال سنوات خدمته، خاصة في تلك الأيام العصيبة من عام 1973، تعلم رجب دروسا غيرت مجرى حياته: قيمة الصبر واليقين: تعلم أن النصر لا يأتي للمستعجلين، بل للذين يتقنون فن الانتظار الإيجابي والاستعداد الدائم. نكران الذات: كان يعلم أن إخوته في جبهات أخرى قد يواجهون نفس الخطر، لكنه تعلم أن "الأخ" في الخندق المجاور هو تماما مثل شقيقه الذي من دمه، فصارت الوحدة العسكرية كلها عائلة واحدة. معنى السيادة: أدرك رجب أن السلام لا يمنح بل ينتزع، وأن الضعف هو من يستدعي العدوان.  

 
فاطمة باهر رجب
فاطمة باهر رجب

العودة المظفرة: اجتماع الشمل بنكهة النصر

انتهت الحرب، ووضعت المدافع أوزارها، وحدثت المعجزة التي كانت تنتظرها العائلة بلهفة. عاد الأشقاء الثلاثة، الكبير، ورجب، والصغير. عادوا جميعا بملابسهم العسكرية المغبرة بتراب سيناء، يحملون أوسمة الفخر في قلوبهم قبل صدورهم. لم يكن اجتماعهم بعد الحرب مجرد لقاء عائلي، بل كان احتفالاً بانتصار المبدأ. لقد أثبتت عائلة "رجب محمد علي" أن حب الوطن يتجاوز حدود القوانين والإعفاءات الورقية، وأن "الرجل" في عرفهم هو من يلبى النداء حين تنادي الأرض، مهما كانت التضحيات. اليوم، تظل قصة العريف رجب وإخوته شاهدة على جيل لم يعرف المستحيل، جيل جعل من "العاشر من رمضان" عيدا للكرامة، ومن الخدمة العسكرية وساماً للأبد.  
تعليقات