📁عاااااااااجل

"سلسلة مقالات بحثية من كتابي : "ممالك إسلامية لها تاريخ مجيد".

بقلم /الدكتور عيد كامل حافظ النوقي



المقدمة :

أول دولة إسلامية مستقلة في المغرب الأقصى، وبداية تشكّل الهوية المغربية الإسلامية.

لقد شكّلت الدولة الإدريسية صفحةً مضيئةً في تاريخ الحضارة الإسلامية بالمغرب العربي، وكانت البداية الحقيقية لقيام كيانٍ إسلامي مستقل في المغرب الأقصى بعيدًا عن هيمنة الخلافة العباسية المباشرة. وقد استطاعت هذه الدولة أن تضع الأسس السياسية، والعلمية، والحضارية للمغرب الإسلامي، وأن تبني نموذجًا للدولة الإسلامية القائمة على العلم، والدعوة، والوحدة، والاستقرار.

ولم تكن الدولة الإدريسية مجرد إمارة ناشئة، بل كانت مشروعًا حضاريًّا متكاملًا أسهم في نشر الإسلام الصحيح، وتثبيت اللغة العربية، وبناء المدن، وربط المغرب بالعالم الإسلامي علميًّا ،وتجاريًّا، وحضاريًّا.

أولًا: نشأة الدولة الإدريسية:

تأسست الدولة الإدريسية سنة 172هـ / 788م على يد الإمام إدريس بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو من أحفاد آل البيت النبوي الشريف. وقد فرّ من بطش العباسيين بعد موقعة “فَخّ” الشهيرة سنة 169هـ، التي قُتل فيها عدد كبير من آل البيت. 

وصل إدريس إلى المغرب الأقصى بصحبة مولاه راشد، فوجد أرض المغرب تعيش حالة من التفرّق السياسي والصراعات القبلية، فاستقبلته قبائل أوربة الأمازيغية بقيادة إسحاق بن محمد الأوربي، وبايعته إمامًا سنة 172هـ بمدينة وليلي قرب مكناس الحالية. 

ويُعد هذا الحدث نقطة التحول الكبرى في تاريخ المغرب الإسلامي؛ إذ ظهرت لأول مرة دولة إسلامية مستقلة ذات سيادة حقيقية.

قال الدكتور عبد العزيز سالم في كتابه تاريخ المغرب في العصر الإسلامي:

“لقد مثّل قيام الدولة الإدريسية بداية التكوين السياسي الحقيقي للمغرب الإسلامي”.(عبد العزيز سالم :1981م،ص45)

ثانيًا: الموقع الجغرافي للدولة الإدريسية:

قامت الدولة الإدريسية في المغرب الأقصى، وشملت مناطق واسعة من المغرب الحالي، وامتد نفوذها أحيانًا إلى أجزاء من الجزائر الحالية.

وكانت عاصمتها الأولى مدينة “وليلي”، ثم أصبحت مدينة “فاس” عاصمتها الكبرى بعد تأسيسها في عهد إدريس الثاني سنة 192هـ / 808م. 

وقد تمتعت الدولة بموقع استراتيجي مهم؛ إذ كانت حلقة وصل بين:

الأندلس الإسلامية.

إفريقيا جنوب الصحراء.

المشرق الإسلامي.

البحر المتوسط.

ثالثًا: أبرز حكام الدولة الإدريسية:

1)إدريس الأول (172–177هـ):

هو المؤسس الحقيقي للدولة الإدريسية، وقد اتصف بالشجاعة ،والذكاء السياسي، واستطاع توحيد القبائل المغربية تحت راية الإسلام.

ومن أهم أعماله:

نشر الإسلام بين القبائل.

توحيد أجزاء واسعة من المغرب.

تأسيس نواة الدولة المستقلة.

ترسيخ مكانة آل البيت في المغرب.

وقد توفي مسمومًا سنة 177هـ على الأرجح بتحريض من العباسيين. 

قال محمد عبد الله عنان في كتاب دولة الإسلام في الأندلس:

“كان إدريس الأول رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الشرعية الدينية والحنكة السياسية”.(محمد عبد الله عنان: 1997م،ص112).

2)إدريس الثاني (177–213هـ):

يُعد أعظم حكام الدولة الإدريسية، وقد تولّى الحكم صغيرًا تحت وصاية مولى أبيه راشد.

ومن أعظم إنجازاته:

تأسيس مدينة فاس.

تنظيم الإدارة والجيش.

توسيع حدود الدولة.

نشر العلم والفقه.

استقدام العلماء والأندلسيين والقيروانيين.

وقد أصبحت فاس في عهده مركزًا علميًّا وحضاريًّا عالميًّا. 

قال ابن خلدون في كتاب العبر:

“وكان إدريس الثاني من خيار الملوك سياسةً وعقلًا وتدبيرًا”.(ابن خلدون:2000م،ص145).

3) محمد بن إدريس:

قام بتقسيم الدولة بين إخوته؛ فكان هذا القرار بداية الضعف السياسي؛ إذ أدى إلى كثرة النزاعات الداخلية.

4) يحيى الرابع:

يُعد آخر الحكام الأقوياء نسبيًّا، وقد واجه ضغوطًا كبيرة من الأمويين في الأندلس والفاطميين في إفريقية.

رابعًا: أهم مقومات الدولة الإدريسية:

1) الشرعية الدينية:

انتساب الأدارسة إلى آل البيت منحهم مكانة كبيرة في قلوب الناس، خاصة في مجتمعٍ كان يُجلّ أهل البيت ,ويحترمهم.

2) التحالف مع القبائل الأمازيغية:

اعتمد الأدارسة على التحالف الذكي مع القبائل المحلية، مما منح الدولة استقرارًا وقوة بشرية وعسكرية.

3)الموقع التجاري:

استفادت الدولة من الطرق التجارية بين إفريقيا والأندلس، مما أدى لازدهار اقتصادي ملحوظ.

4)الاهتمام بالعلم, والعمران:

اهتم الأدارسة ببناء المساجد ,والمدارس والأسواق ,والطرق.

خامسًا: مدينة فاس.. أعظم إنجاز إدريسي:

تُعد مدينة فاس من أعظم آثار الدولة الإدريسية، وقد أسسها إدريس الثاني لتكون عاصمة علمية ,وسياسية ,وحضارية.

وأصبحت فاس لاحقًا:

مركزًا للفقه المالكي.

ملتقى للعلماء.

منارة للغة العربية.

جسرًا حضاريًّا بين الأندلس, وإفريقيا.

وقد ساهمت الهجرات الأندلسية والقيروانية في ازدهار المدينة علميًّا وثقافيًّا.

قال حسن الوزان (ليون الإفريقي) في وصف فاس:

“هي من أعظم مدائن الإسلام علمًا وعمرانًا”.

سادسًا: دور الدولة الإدريسية في خدمة الإسلام:

1)نشر الإسلام بين القبائل:

ساهم الأدارسة في تثبيت الإسلام ونشر العقيدة الإسلامية في مناطق واسعة من المغرب.

2) نشر اللغة العربية:

كان للدولة دور مهم في تعريب المغرب ونشر الثقافة العربية الإسلامية.

3) دعم المذهب المالكي:

أصبح المغرب في عهدهم مركزًا مهمًّا للفقه المالكي.

4) بناء المساجد ,والمعاهد:

اهتموا ببناء المساجد, ومجالس العلم، مما ساعد على ازدهار الحركة العلمية.

سابعًا: الآثار الحضارية والثقافية للدولة الإدريسية:

من أبرز آثارها:

تأسيس مدينة فاس.

ترسيخ الهوية الإسلامية المغربية.

نشر العلوم الشرعية.

دعم التجارة والزراعة.

تقوية الروابط مع الأندلس.

إنشاء نظام إداري وسياسي مستقر نسبيًّا.

وقد اعتبر المؤرخون الدولة الإدريسية اللبنة الأولى للدولة المغربية الحديثة.

ثامنًا: أسباب سقوط الدولة الإدريسية:

بدأ ضعف الدولة تدريجيًّا منذ القرن الرابع الهجري، حتى سقطت نهائيًّا سنة 363هـ / 974م. 

ومن أبرز أسباب سقوطها:

1) تقسيم الدولة بين الأبناء:

أدى ذلك إلى كثرة الصراعات ,والانقسامات الداخلية.

2)الصراع بين الفاطميين, والأمويين:

أصبحت الدولة ساحة صراع بين:

الفاطميين في إفريقية.

الأمويين في الأندلس.

3- ضعف السلطة المركزية.

فقد الحكام السيطرة على كثير من المناطق.

4) النزاعات القبلية:

عادت العصبيات القبلية للظهور بقوة.

5)الضغوط العسكرية الخارجية:

تعرضت الدولة لهجمات متكررة أنهكتها سياسيًّا وعسكريًّا.

قال الدكتور حسين مؤنس في كتاب تاريخ المغرب وحضارته:

“لم يسقط الأدارسة بسبب ضعف حضارتهم، بل بسبب التمزق الداخلي والصراع الدولي حول المغرب”.

(حسين مؤنس:1992م،ص118).

تاسعًا: تقييم تاريخي للدولة الإدريسية:

رغم أن الدولة الإدريسية لم تكن من أكبر الدول الإسلامية مساحةً, أو قوةً عسكرية، فإن أثرها الحضاري ,والسياسي كان عظيمًا للغاية.

ويكفيها أنها:

أول دولة إسلامية مستقلة بالمغرب.

أسست مدينة فاس.

ثبّتت الإسلام والعربية.

مهّدت لقيام الحضارة المغربية الإسلامية.

لقد كانت تجربة رائدة جمعت بين:

الشرعية الدينية.

الحكمة السياسية.

البناء الحضاري.

نشر العلم.

الخاتمة:

تبقى الدولة الإدريسية واحدة من أعظم الصفحات المشرقة في تاريخ المغرب الإسلامي، فقد استطاعت أن تحوّل المغرب من قبائل متفرقة إلى دولة ذات هوية إسلامية مستقلة، وأن تضع الأساس الحضاري والعلمي الذي بُنيت عليه الحضارات المغربية اللاحقة.

وكان الأدارسة بحق من “عظماء كتبوا التاريخ في الظل”، إذ لم ينالوا من الإنصاف التاريخي ما يليق بمكانتهم، رغم أن آثارهم لا تزال شاهدة حتى اليوم في فاس، وفي الهوية المغربية، وفي الامتداد الحضاري الإسلامي بالمغرب العربي كله.

أهم المراجع العربية:

1) ابن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الفكر، بيروت، 2000م.

2)حسين مؤنس، تاريخ المغرب وحضارته، دار الرشاد، القاهرة، 1992م.

3) عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب في العصر الإسلامي، دار النهضة العربية، بيروت، 1981م.

4) محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1997م.

5)الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1954م.

6) العربي أكنينح، تأسيس أول دولة عربية إسلامية في المغرب الأقصى، 2008م. 

7) مجلة دعوة الحق، وزارة الأوقاف المغربية، مقال: “خطوة حاسمة في نشوء الدولة بالمغرب؛ الدولة الإدريسية”.


تعليقات