📁عاااااااااجل

 ابنى الغالي يا قطعة من روحى

بقلم أحمد مختار


يا قطعة من روحى، يا ذلك الجزء الذى خرج من قلبى ليعيش امام عينى، ماذا يمكن لاب ان يقول لابنه حتى يشرح له حجم الحب الذى يسكن بداخله. هناك مشاعر لا تستطيع اللغة ان تحملها، ولا تكفى الحروف لوصفها، لان بعض الاحاسيس خلقت فقط لتشعر بها القلوب.

حين جئت الى هذه الدنيا لاول مرة، لم يتغير بيتى فقط، بل تغيرت حياتى كلها. يومها شعرت ان الله وضع بين يدى روحا اخاف عليها اكثر من خوفى على نفسى. منذ تلك اللحظة، لم اعد افكر فى عمرى بقدر ما اصبحت افكر فى عمرك، ولا فى تعبى بقدر ما اصبحت اخاف من ان يمسك الحزن يوما.

يا ولدى، ربما لم اخبرك كثيرا بما اشعر به، فالاباء غالبا يخفون حبهم خلف الصمت والتعب والمسؤوليات، لكن الحقيقة التى لا تعرفها اننى كنت فى كل مرة اراك فيها نائما، اقف صامتا اتأملك وكأننى اطمئن ان قلبى ما زال ينبض خارج جسدى. كنت اخاف عليك من كل شيء، من المرض، من الحزن، من الناس، من الدنيا حين تصبح قاسية بلا رحمة.

كم مرة عدت الى البيت مرهقا، محطم الروح، احمل فوق كتفى هموما لا يعلمها احد، ثم سمعت صوتك او رأيت ابتسامتك، فشعرت ان الدنيا كلها تهدأ فجأة. كنت انت الشيء الوحيد الذى يجعلنى قادرا على الاستمرار حين كنت اشعر اننى لم اعد املك القوة لاكمل الطريق.

يا ابنى، لو تعلم كم من الليالى سهرت فيها ادعو الله ان يحفظك قبل ان ادعو لنفسى. كم من مرة تمنيت ان يأخذ الله من عمرى ويعطيك، فقط حتى اراك بخير دائما. فالاب لا يخاف على نفسه كما يخاف على ابنه، لان الابن ليس شخصا عاديا فى حياة ابيه، بل هو عمره كله فى صورة انسان.

ستكبر يوما، وستظن ان الحياة قوية عليك، وستبكى ربما فى ليال لا يراك فيها احد، وستشعر ان العالم كله ضيق، لكن تذكر دائما ان هناك قلبا كان يتمنى ان يحمل عنك كل هذا الوجع حتى لا تنكسر. قلب اب كان مستعدا ان يحترق وحده حتى لا ترى انت النار.

يا ولدى، لا شيء يكسر الاب اكثر من ان يرى الحزن فى عين ابنه ولا يستطيع ان يمنعه عنه. تلك اللحظات تقتل الاب بصمت. فالاب قد يتحمل الفقر والتعب والمرض، لكنه لا يتحمل ان يرى ابنه موجوعا.

ربما سيأتى يوم تدرك فيه لماذا كان ابوك يقلق كثيرا، ويسأل كثيرا، ويغضب احيانا دون سبب واضح. ستفهم وقتها ان الخوف الشديد هو الوجه الاخر للحب الكبير. وان الاب حين يراك تتألم يشعر وكأن سكينا تغرس فى قلبه هو.

يا ابنى الغالى، اذا قست عليك الدنيا يوما، لا تسمح لها ان تحول قلبك الى حجر. ابك اذا اردت البكاء، فالدموع ليست ضعفا، بل احيانا تكون الشيء الوحيد الذى ينقذ الانسان من الانهيار. لكن مهما تعبت، لا تفقد نفسك الجميلة، ولا تسمح للحياة ان تسرق منك الرحمة والنقاء.

واعلم اننى حتى عندما ارحل يوما، سيظل دعائى يحيط بك، وستظل روحى خائفة عليك كما كانت دائما. فحب الاب لا ينتهى بالموت، لان الاشياء الصادقة لا تموت ابدا.

وفى النهاية، اريدك فقط ان تعرف شيئا واحدا، لو خيرونى بين الدنيا كلها وبين لحظة اراك فيها بخير، لاخترتك انت دون تفكير. لانك لم تكن يوما مجرد ابن، بل كنت المعنى الوحيد الذى جعل لحياتى قيمة حقيقية.

وحين يسألوننى يوما ماذا كان اجمل شيء عشته فى هذه الدنيا، سأقول بكل فخر ودموع، كان لى ابن، وكان قلبى كله يسكن داخله.

تعليقات