بقلم أ / راضي حلمي
المرأة، ذلك الكائن الرقيق الذي تختبئ في تفاصيله قوة الكون، لم تكن يوماً مجرد عابر في قطار البشرية، بل هي النبض الذي يحرك عجلاتها، والقصيدة التي تُكتب بريشة ومحبرة الوجود. إذا ما تصفحنا كتاب الزمان، نجد أن قصتها تتأرجح بين ظلمات الجور وأنوار الإنصاف، مسطرةً بروحها ملاحم تتناقلها الأجيال.
في غياهب العصر الجاهلي، كانت المرأة تعيش في خريفٍ دائم، حظها من الدنيا كحظ الطائر قُصت جناحاه؛ تُباع وتُشترى كالمتاع، وتُساق في دروب الحياة مسلوبة الإرادة. وكم من طفلة بريئة وُئدت في تراب القسوة وهي ما زالت تبحث عن حضن دافئ، فكانت صرخاتها المكتومة وصمة عار في جبين ذلك العصر المظلم الذي حصر دورها في زوايا النسيان.
حتى أشرقت شمس صدر الإسلام، فتبددت تلك الغيوم الحالكة، وتنفس الصبح بنور العدل والرحمة. جاء الإسلام كغيثٍ أحيا الأرض بعد موتها، فانتشل المرأة من قاع الهوان إلى قمم العزة، وجعلها شقيقة الرجل في الحقوق والواجبات. لقد غدت سيدةً في بيتها، ومستشارةً يُؤخذ برأيها، وصار لها حق الميراث والتملك، بل ومشاركةً في الغزوات تسقي الظِماء وتداوي الجراح، فامتلكت زمام أمرها وأصبحت ركيزةً لا غنى عنها في بناء الأمة.
أما في العصر الحالي، فقد شرعت المرأة أبواباً جديدة، وانطلقت كالسهم في فضاءات العلم والعمل. لم تعد حبيسة الجدران، بل أصبحت شمسًا تضيء المحافل الدولية، تتقلد مناصب القيادة، وتغوص في أعماق البحار، وتحلق في أعالي الفضاء. ورغم هذه المكاسب المادية الكبيرة، إلا أن رداء العصر الحديث يحمل في طياته شروطاً قاسية، حيث أُثقل كاهلها بمسؤوليات مزدوجة، وتجاذبتها رياح المادة التي تحاول أحياناً تجريدها من خصوصيتها الفطرية.
وإذا ما عقدنا موازنة بين مكانة المرأة في المجتمع الإسلامي والمجتمع الغربي، نجد فرقاً في الجوهر والغاية. فالمجتمع الإسلامي ينظر إلى المرأة كدرة مصونة وجوهرة ثمينة، يحيطها بسياج من التكريم والمسؤولية المتبادلة، حيث تُحفظ كرامتها دون أن تُبتذل، وتُصان أنوثتها في إطار من الطهر والعفاف.
بالمقابل، نرى أن المجتمع الغربي قد منح المرأة حرية واسعة ومساواة قانونية صارمة، ففتحت لها كل الأبواب الاقتصادية والاجتماعية. إلا أن هذه الحرية المفرطة أحياناً حولتها في كثير من الأحيان إلى سلعة استهلاكية تحت بريق الأضواء، وجعلتها تواجه غمار الحياة بمفردها دون سندٍ اجتماعي أو أسري دافئ، مما أثقل كاهلها بهموم السعي المادي المحموم.
شراع الأمان في أمواج العصر المتلاطمة
إن الوضع الاجتماعي في عصرنا الحديث يموج بالاضطرابات، ويكاد يعصف بالقيم الراسخة، ولذلك أصبح الحفاظ على المرأة ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً. إن حماية المرأة تبدأ من صون كرامتها الفكرية والنفسية، والكف عن حصرها في قوالب السلع أو تجريدها من رسالتها الأسمى كأم وصانعة للأجيال. يجب أن نمنحها التعليم والتمكين الذي يبني عقلها، مع توفير البيئة الآمنة التي تحميها من غوائل الاستغلال، فالمرأة إذا صَلُحت، صَلُح المجتمع ككل، وإذا انكسرت، تداعى البنيان وتهاوت الحصون.
وختاماً، إن رحلة المرأة عبر العصور هي ملحمة تحول من العبودية والوأد في الجاهلية، إلى التكريم والسيادة في صدر الإسلام، وصولاً إلى التحديات والآفاق الواسعة في العصر الحديث. وتبقى المقارنة بين الشرق والغرب شاهداً على أن الكرامة الحقيقية تكمن في حفظ الفطرة والجوهر لا في بريق المظهر. إن الحفاظ على هذا الكائن العظيم هو صمام الأمان لمستقبل البشرية، فمنها يبدأ الصلاح، وبأيديها تُصاغ حضارات الغد.
مقال بقلم أ /راضي حلمي
