كتب ـ عمرو البهي
كانت القرية المصرية قديما عنوانا للبساطة والطمأنينة،
أرضها خضراء، ووجوه أهلها تعرف بعضها البعض،
الكل يعيش كأسرة واحدة، لا فرق بين بيت وآخر،
وكان الاحترام قيمة لا ينازعها شيء في النفوس.
كان الكبير له مكانته وهيبته،
والصغير يتعلم الأدب قبل الكلام،
وكانت الجلسات أمام البيوت بعد صلاة العشاء
تمتلئ بالمحبة والسؤال عن أحوال الناس.
لم تكن القرى تعرف السهر حتى الفجر،
ولا الأصوات المرتفعة ولا المشاجرات اليومية،
فالناس كانت تنشغل بالزراعة والكفاح والعمل،
وكان التعب في الأرض شرفا لا يخجل منه أحد.
الفلاح يخرج مع أول خيط للفجر،
يحمل رزقه في أرضه وعرقه في يديه،
والأم تربي أبناءها على الحلال والستر،
والجميع يعلم أن السمعة كانت أغلى من المال.
في الماضي كانت القرية إذا أخطأ فيها شاب
شعر بالخجل من أهل بيته وأهل بلدته
أما الآن فقد تبدلت الأحوال بصورة مخيفة،
وأصبحت المخدرات تنتشر كالنار في الهشيم.
لم تعد المخدرات شيئا خفيا أو نادرا،
بل أصبحت موجودة في بعض الشوارع والحارات،
وأصبحت أسماء السموم معروفة لدى الأطفال قبل الكبار
وكأننا أمام مجتمع آخر لا يشبه القرى القديمة.
المؤلم أن بعض الشباب لم يكتف بالتعاطي فقط،
بل تحول إلى التجارة في كل أنواع المخدرات،
وأصبح المال السريع هدفا مهما كانت العواقب،
حتى لو ضاعت الأخلاق وضاع المستقبل.
والأخطر من ذلك أن بعض الأسر تعلم الحقيقة،
تعرف أن أبناءها يسيرون في الطريق الخطأ،
ورغم ذلك تصمت خوفا من الفضيحة أو طمعا في المال،
وكأن الأمر أصبح عاديا لا يستحق المواجهة.
لقد تحولت بعض القرى إلى ساحات مفتوحة للانحراف،
بعد أن كانت رمزا للنقاء والترابط الاجتماعي،
وأصبحنا نرى أطفالا يحملون ألفاظا غريبة،
وشبابا لا يحترمون كبيرا ولا يوقرون شيخا.
زمان كان الشاب يخجل أن يرفع صوته أمام رجل كبير،
وكان احترام الجار واجبا لا نقاش فيه،
أما اليوم فأصبحت القسوة والعنف لغة بعض النفوس،
وغابت الرحمة من قلوب كثيرة.
لقد دخلت إلى القرى كل وسائل الحياة الحديثة،
من هواتف وإنترنت ومقاه وأماكن سهر،
لكننا للأسف لم نستغل هذا الانفتاح في التعليم والعمل،
بل استغل البعض تلك الوسائل في نشر الخراب.
أصبح الشاب يرى التاجر صاحب المخدرات غنيا،
فيحاول تقليده دون أن يرى نهايته السوداء،
وينسى أن المال الحرام لا يدوم،
وأن نهايته دائما خراب وندم وضياع.
المخدرات لا تقتل شخصا واحدا فقط،
بل تدمر أسرة كاملة ومستقبل أجيال،
وتحول البيت الهادئ إلى مكان مليء بالصراخ والخوف،
وتسلب الإنسان عقله وكرامته وإنسانيته.
كم من أم تبكي في صمت على ابن ضاع،
وكم من أب انكسر قلبه بسبب طريق الإدمان،
وكم من بيت كان مستورا فهدمته السموم،
وكم من شاب انتهى به الحال بين السجون والمقابر.
إن ما يحدث اليوم ليس مسؤولية الأمن وحده،
بل مسؤولية المجتمع كله دون استثناء
فالأسرة لها دور، والمدرسة لها دور،
والمسجد أيضا عليه مسؤولية التوعية والإصلاح.
يجب أن تعود التربية الحقيقية من جديد،
ويجب أن يعود الخوف على الأبناء قبل فوات الأوان،
فترك الأبناء بلا رقابة جريمة في حقهم،
والصمت عن الخطأ يساعد على انتشاره.
كما يجب احتواء الشباب وتوفير فرص حقيقية لهم،
حتى لا يصبح الفراغ بابا للضياع والانحراف،
فالشباب إذا وجد من يسمعه ويدعمه
لن يبحث عن الهروب في طريق المخدرات.
نحن لا نحتاج فقط إلى حملات أمنية،
بل نحتاج إلى صحوة أخلاقية وإنسانية،
نحتاج أن تعود القرى كما كانت،
مكانا للأمان والمحبة والاحترام.
فالقرية المصرية ليست مجرد بيوت وطرق،
بل تاريخ طويل من القيم والأصول الطيبة،
وإذا ضاعت الأخلاق ضاع كل شيء بعدها،
ولن ينفع الندم بعد أن تحترق الأجيال.
ويبقى السؤال الذي يؤلم الجميع:
هل تعود القرى يوما إلى زمن البساطة والرحمة؟
هل يعود الاحترام بين الناس كما كان؟
أم نترك المخدرات تسرق ما تبقى من أرواح شبابنا؟
