بقلم احمد عدوي
يقول القول المأثور: "الصحافة هي نشر ما لا يريد شخص ما نشره، وكل ما عدا ذلك هو مجرد علاقات عامة". لكن يبدو أن هذا المبدأ تعرض لعملية "تجميل" مشوهة في غرف الأخبار الحديثة، حيث استُبدل القلم بالمبخرة، وتحولت المادة الصحفية من أداة للمساءلة إلى باقة ورد تُقدم في محافل "النفاق الاجتماعي".
نحن نتحدث هنا عن فئة "صحفيي المجاملات"، الذين جعلوا من المهنة جسراً لتمتين الروابط الشخصية، ووسيلة لخدمة المصالح الضيقة على حساب الحقيقة.
الصحافة "الناعمة": سمٌّ في عسل الكلمات
المشكلة لا تكمن في اللطاقة، بل في الانتقائية القاتلة. حين يكتب الصحفي مادته وعينه ليست على القارئ، بل على "رضا" المسؤول أو "سعادة" الفنان أو "برستيج" رجل الأعمال، فإنه يرتكب جريمة مكتملة الأركان بحق المهنة.
تغييب النقد: تتحول الأخطاء الكارثية في نظر هؤلاء إلى "وجهات نظر"، وتصبح الإخفاقات "تحديات قيد التجاوز".
تضخم الأنا للمصدر: عندما يقرأ المسؤول مديحاً مجانياً لا يستحقه، فإنه ينفصل عن الواقع، ويصبح الصحفي هنا شريكاً في الفشل لأنه حجب "مرآة الحقيقة" عن صاحب القرار.
بورصة المصالح.. المادة مقابل "العزومة"
إن أخطر ما يواجه العمل الصحفي هو تحوله إلى "مقايضة". يكتب الصحفي "المجامل" مقالاً يفيض بالثناء، وفي المقابل يحصل على دعوة لحدث نخبوي، أو تسهيلات شخصية، أو حتى مجرد "تربيته على الكتف" من ذوي النفوذ.
هذا النوع من الصحافة يخلق فقاعة من الوهم؛ فالقارئ الذي يبحث عن تحليل موضوعي يجد نفسه أمام "إعلان مدفوع الأجر" متنكر في زي مقال صحفي. هذا الخداع لا يفقد الكاتب مصداقيته فحسب، بل يضرب الثقة بين الجمهور والمؤسسة الإعلامية برمتها.
الفرق بين "الكياسة" و"الاستلاب"
لا يُطلب من الصحفي أن يكون "عدوانياً" بالضرورة، لكن يُطلب منه أن يكون أميناً.
"الصحافة التي تجامل الجميع هي صحافة لا تخدم أحداً."
الصحفي الحقيقي: يمدح المنجز ويسلط الضوء على الخلل، محركُه هو المصلحة العامة.
صحفي المجاملات: يرى العالم من خلال عدسة "من سيفيدني غداً؟"، محركُه هو المصلحة الشخصية.
كلمة أخيرة.. إلى حملة المباخر
إن المهنة التي بدأت بـ "المتاعب" لا يمكن أن تنتهي بـ "المداهن"، والكلمة التي لا تهز باطلاً هي رصاصة طائشة في صدر الوعي الجمعي.
يا أصحاب "مبدأ المجاملات"، إن القارئ اليوم أذكى مما تظنون، وهو يمتلك من الوعي ما يجعله يميز بين الحبر الحقيقي والزيت الذي تدهنون به تروس مصالحكم. الصحافة أمانة، ومن جعلها وسيلة لـ "التملق" فقد خلع عن نفسه رداء المهنة قبل أن يجف حبر مقاله.
