هاله المغاورى فيينا
في قلب روما القديمة، وعلى مقربة من مدرج الكولوسيوم الذي ظل لقرون رمزاً للحضارة الرومانية، اختارت مصر أن تبعث برسالة مختلفة إلى أوروبا والعالم؛ رسالة لا تعتمد فقط على التاريخ، بل على القدرة على تحويل هذا التاريخ إلى قوة ناعمة مؤثرة في السياسة والثقافة والسياحة والعلاقات الدولية.
الاحتفالية رفيعة المستوى التي نظمتها بلدية روما بالتنسيق مع السفارة المصرية، واستضافت خلالها عالم الآثار الدكتور زاهي حواس، لم تكن مجرد فعالية ثقافية عابرة أو عرضاً تقليدياً للآثار المصرية، بل بدت أقرب إلى تحرك دبلوماسي ثقافي محسوب يعكس رؤية مصر الجديدة في تقديم نفسها للعالم بصورة أكثر شمولاً وعمقاً.
السفير بسام راضى وضع ملامح هذه الرؤية بوضوح عندما أكد أن السفارة المصرية في روما تعمل وفق خطة ممنهجة للترويج لمصر بمفهومها المتكامل، عبر المزج بين الإنجازات التنموية الحديثة والإرث الحضاري الممتد لآلاف السنين. وهي مقاربة تعكس تحولاً ملحوظاً في أدوات الدبلوماسية المصرية بالخارج، حيث لم يعد الترويج مقتصراً على السياحة التقليدية، بل أصبح يعتمد على بناء صورة ذهنية متكاملة عن الدولة المصرية الحديثة.
اللافت أن اختيار روما تحديداً يحمل دلالات رمزية عميقة. فالعلاقة بين الحضارتين المصرية والرومانية ليست مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل هي جزء من ذاكرة المتوسط المشتركة. ومن هنا جاءت أهمية الحديث عن الملكة كليوباترا داخل العاصمة الإيطالية، خاصة مع الإشارة إلى جهود التنقيب عن مقبرتها، وهو ملف يحظى باهتمام عالمي واسع، وقد يتحول – حال تحقيق اكتشاف حاسم – إلى حدث أثري وسياسي وثقافي استثنائي يعيد تسليط الضوء على الروابط التاريخية بين مصر وإيطاليا.
وخلال الاحتفالية، قدم زاهي حواس عرضاً بصرياً ثرياً تناول أحدث الاكتشافات الأثرية في مصر، بدءاً من مقبرة الملكة نفرتاري وصولاً إلى معابد أبو سمبل، مع الإشادة بالدور الإيطالي في أعمال الحفائر والترميم. وهذه النقطة تحديداً تكشف عن بعد آخر في التحرك المصري، وهو توظيف التعاون العلمي والثقافي كمدخل لتعزيز العلاقات الثنائية، بعيداً عن الأطر السياسية التقليدية فقط.
كما حملت الدعوة المفتوحة التي وجهها حواس للإيطاليين لزيارة المتحف المصرى الكبير دلالة استراتيجية واضحة، خاصة عندما وصفه بأنه “أضخم مشروع ثقافي في القرن الحادي والعشرين”. فالمتحف لم يعد مجرد مشروع أثري، بل أصبح أداة رئيسية في إعادة تموضع مصر على خريطة السياحة والثقافة العالمية، ومحاولة لتقديم تجربة حضارية متكاملة تربط الماضي بالمستقبل.
الاهتمام الإعلامي الإيطالي والدولي الواسع بالاحتفالية يعكس أيضاً نجاح القاهرة في استعادة جزء مهم من حضورها الثقافي في أوروبا، في وقت تتنافس فيه الدول على استخدام القوة الناعمة كوسيلة لتعزيز النفوذ وتحقيق المصالح الاستراتيجية.
وفي هذا السياق، تبدو الدبلوماسية الثقافية المصرية وكأنها تدخل مرحلة جديدة أكثر احترافية، تعتمد على مخاطبة العالم بلغة الحضارة والمعرفة والتاريخ، ولكن من داخل مشروع دولة حديثة تسعى إلى تثبيت مكانتها الإقليمية والدولية.
ما جرى في روما لم يكن مجرد احتفاء بالماضي، بل محاولة ذكية لتوظيف التاريخ في صناعة المستقبل، وتحويل الحضارة المصرية من إرث يُعرض في المتاحف إلى قوة تأثير حقيقية تعيد تقديم مصر للعالم بصورة أكثر إشراقاً ونفوذاً.
