بقلم: د. خالد البليسي
نحن نعيش اليوم في عالمٍ لا ينام، ولا يغمض له جفن. عالمٌ يمسك فيه الجميع بـ "عدسات" موجهة نحو صدور الآخرين، تتصيد زلة لسان، أو لحظة ضعف، أو حتى دمعة انكسار. لقد تحول الهاتف المحمول من وسيلة اتصال إلى أداة اقتحام، وأصبح الفضاء العام مسرحاً مفتوحاً للعرض، لا يحترم حرمة الإنسان ولا يقدس خصوصيته. فمتى تحول الفضول الفطري إلى انتهاك صارخ؟ وكيف ضاع "الحياء الاجتماعي" وسط ضجيج الإعجابات والمشاركات؟
عصر "الباباراتزي" الشعبي
في السابق، كان "الباباراتزي" مصطلحاً يُطلق على المصورين الذين يطاردون المشاهير لاقتناص صورهم الخاصة. اليوم، أصبح كل شخص منا "باباراتزي" محتملاً. في وسائل المواصلات، في الشارع، حتى فى الحوادث والكوارث ؛ وحتى في غرف المستشفيات، تجد من يرفع هاتفه ليصور شخصاً غلبه النعاس، أو طفلاً يبكي، أو مواطناً بسيطاً يمر بضائقة مادية أو معنوية.
المأساة تكمن في أن هذا الفعل يتم تحت ذريعة "النشر للوعي" أو "مشاركة اللحظة"، بينما الحقيقة هي استهلاك لمعاناة الآخرين من أجل حصد حفنة من المشاهدات. لقد فقدنا تلك "المسافة الآمنة" التي كانت تفصل بين الفرد ومحيطه، وأصبح الإنسان العادي مهدداً بأن يجد نفسه "تريند" يتداوله الملايين وهو في أسوأ حالاته، دون إذن منه أو رغبة.
سيكولوجية الكاميرا: من "المساعدة" إلى "المشاهدة"
أخطر ما أفرزه زمن التصوير المفتوح هو ما يمكن تسميته بـ "تجميد النخوة". قديماً، إذا وقع شخص في مأزق أو نشب شجار، كانت ردة الفعل التلقائية هي "التدخل للمساعدة" أو "فض النزاع". اليوم، تحولت ردة الفعل إلى "الوقوف للتصوير".
الكاميرا هنا تعمل كحاجز نفسي يعزل المصور عن إنسانيته؛ فهو يرى المشهد كـ "محتوى" (Content) وليس كواقعة إنسانية تستوجب التدخل. هذا الانفصال العاطفي جعلنا نشاهد فيديوهات لحوادث مؤلمة أو مشادات مهينة، وننشغل بجودة الإضاءة وزاوية التصوير، متناسين أن صاحب الفيديو إنسان له كرامة، وعائلة، ومشاعر قد تُحطم للأبد بمجرد ضغطة زر "نشر".
اغتيال الحياء الاجتماعي
الحياء الاجتماعي هو "الغراء" الذي يربط نسيج المجتمع ببعضه؛ فهو الذي يمنعنا من التطفل، وهو الذي يفرض علينا غض البصر عن عورات الآخرين وهفواتهم. لكن في زمن "التريند"، جرى اغتيال هذا الحياء بشكل منهجي.
أصبحنا نرى تصويراً للحظات الانكسار: أب عاجز عن تلبية طلب ابنه، شخص يبكي في ركن هادئ، أو حتى مشاجرة زوجية في مكان عام. نشر هذه اللحظات ليس "كشفاً للحقيقة"، بل هو "تعرية للمشاعر". إن "الحياء" يقتضي أن نستر ما يكره الإنسان أن يراه الناس منه، أما "الرقمنة الجائرة" فقد جعلت من الفضيحة بضاعة، ومن الستر عملة نادرة.
إتيكيت الخصوصية: دستور مفقود
نحن بحاجة ماسة إلى صياغة "إتيكيت للخصوصية الرقمية"، دستور أخلاقي يلتزم به كل من يحمل هاتفاً. هذا الإتيكيت يجب أن يرتكز على مبادئ ثابتة:
الموافقة المسبقة: لا يحق لك تصوير أي شخص في وضع خاص أو مهين دون إذنه الصريح، مهما كانت مبرراتك.
أنسنة المحتوى: قبل أن تنشر فيديو لشجار أو لحظة ضعف، اسأل نفسك: "لو كنت أنا مكان هذا الشخص، هل كنت سأقبل بهذا النشر؟".
النخوة قبل الكاميرا: المساعدة في أرض الواقع أثمن بمليون مرة من "التوعية" بفيديو ينتهك كرامة صاحبه.
القانون وحده لا يكفي
رغم وجود تشريعات تجرم التشهير وتصوير الآخرين دون إذن في كثير من الدول، إلا أن القانون وحده لا يستطيع ملاحقة ملايين العدسات. الحل يبدأ من "الوعي المجتمعي" ومن "التربية الأخلاقية". يجب أن يدرك الجيل الجديد أن "حرية التصوير" تنتهي عند "حدود كرامة الآخر". وأن البطولة ليست في تصوير مشهد صادم، بل في ستر عورة أخيك، وإقالة عثرة عاثر، والحفاظ على خصوصية من تجاورهم في الطريق أو العمل.
وأخيراً
إن الكاميرا التي لا تنام قد تجعلنا جميعاً "مكشوفين"، ولكنها لا يجب أن تجعلنا "مستباحين". الكرامة الإنسانية أغلى من أي "لايك"، والستر أجمل من أي شهرة زائفة. لنتذكر دائماً أن خلف كل فيديو "تريند" هناك إنسان من لحم ودم، قد يقتله الفيديو معنوياً قبل أن ينتهي وقت عرضه على الشاشة.
دعونا نعيد لبيوتنا وشوارعنا ومواصلاتنا حرمتها، ولنطبق القاعدة الذهبية: "استر تُستر"، وليكن الهاتف في جيوبنا أداة للبناء، لا معولاً لهدم ما تبقى من حياء في مجتمعاتنا.
