📁عاااااااااجل

 سطوة الضغوط وسُم النميمة

 بقلم المهندس ياسر أبو الغيط




 

حين تجتمع الضغوط لا تأتى فرادى بل تأتى كجيوش متلاحقة تضرب القلب والعقل فى آن واحد فلا تترك للإنسان فرصة ليلتقط أنفاسه ولا تمنحه رفاهية التماسك كما يبدو أمام الناس بل تجرده فى الداخل من كل قدرة على الإحتمال حتى يصبح واقفاً على قدميه شكلاً منهاراً فى أعماقه كبيت أكلته النار من الداخل ولم يسقط بعد


الضغوط ليست مجرد أحداث بل هى تراكمات ثقيلة تتسلل إلى الروح دون إستئذان تبدأ بموقف ثم تتبعه خيبة ثم تلحق به أزمة ثم ينضم إليها قلق المستقبل وخوف الحاضر وندم الماضى حتى تتحول الحياة إلى حمل لا يُحتمل وكلما حاول الإنسان أن يقف وجد الأرض نفسها تميل به أكثر وكأن القدر قد ضاق عليه من كل إتجاه


لكن ما يجعل هذه الضغوط أكثر قسوة ليس ثقلها وحده بل البيئة التى يعيش فيها الإنسان ففى مجتمع تُدار فيه الحياة بالألسنة لا بالقلوب تصبح النميمة سيفاً مسلطاً على رقاب الجميع لا تترك بريئاً ولا ترحم ضعيفاً ولا تُميز بين حقيقة وزيف بل تصنع من الخيال واقعاً ومن الشك يقيناً ومن المواقف النبيلة فضائح تُروى فى المجالس وكأنها حقائق لا تقبل النقاش


فإذا إنكسر إنسان لم يجد من يواسيه بل وجد من يراقب سقوطه وإذا حاول أن ينهض لم يجد من يسانده بل وجد من يشكك فى نواياه وإذا مد أحدهم يده لينقذه لم تُفسر هذه اليد على أنها رحمة بل حُولت إلى تهمة وقصة مشبوهة تُحاك حولها الحكايات فيُقال هذا لم يساعده إلا لمصلحة ويُقال ذاك لم يقف معه إلا لغرض خفى وتصل الوقاحة أحياناً إلى الخوض فى الأعراض وكأن الشرف لعبة يتسلى بها مرضى النفوس


وهنا تتحول الضغوط من عبء داخلى إلى حصار كامل فالإنسان لا يعانى فقط من ألمه بل يعانى أيضاً من نظرات الناس ومن تفسيرهم لكل حركة ومن تشويههم لكل نية فيشعر أنه محاصر من الداخل بوجعه ومن الخارج بألسنة لا ترحم فيختنق بين جدارين لا مخرج منهما


فى هذه اللحظة تحديداً يبدأ التآكل الحقيقى فالعقل الذى كان يقاوم يبدأ فى الإنهاك والقلب الذى كان يتحمل يبدأ فى الإنكسار والروح التى كانت تبحث عن بصيص نور تبدأ فى الإستسلام للعتمة وهنا لا يعود السؤال كيف ينجو بل هل ما زال قادراً على النجاة


وحين تصل الضغوط إلى هذا الحد تصبح النهايات القاسية أقرب مما نتصور فهناك من ينهار بصمت ويختار الرحيل لأنه لم يعد يرى فى الحياة ما يستحق البقاء وهناك من يتحول إلى غضب متحرك يرى فى العالم عدواً فينفجر فى وجهه بلا حساب وكأن ما بداخله من ألم لم يجد طريقاً للخروج إلا عبر الدمار


والنميمة هنا لا تكون مجرد عامل جانبى بل هى شريك أساسى فى الجريمة لأنها تُغلق أبواب النجاة وتُحاصر كل محاولة للإنقاذ وتُشعر الإنسان أنه حتى لو طلب المساعدة سيُدان وحتى لو بكى سيُسخر منه وحتى لو صمت سيُفسر صمته بما ليس فيه فيختار العزلة مرغماً لا رغبة وتصبح وحدته بيئة خصبة لكل الأفكار المظلمة


إن أخطر ما فى الأمر أن المجتمع لا يرى دوره فى هذه المأساة فهو يظن أن كلماته عابرة وأن تعليقاته بسيطة وأن حكاياته للتسلية بينما هى فى الحقيقة طعنات متكررة فى روح شخص قد يكون على وشك الإنهيار بالفعل فيُدفع دفعاً إلى حافة لا يعود منها


ومع ذلك تبقى الحقيقة التى لا يمكن إنكارها أن الإنسان لا يُهزم من الضغوط وحدها بل يُهزم حين لا يجد من يحتويه حين يُحارب فى ضعفه بدل أن يُرحم وحين تُغلق فى وجهه كل الأبواب فلا يرى أمامه إلا طريقين كلاهما مظلم


وفى خضم هذا السواد يبقى الأمل معلقاً على وعى لم يولد بعد وعلى قلوب لم تتعلم بعد أن الرحمة ليست ضعفاً وأن الوقوف بجانب المكسور شرف لا تهمة وأن إنقاذ إنسان أهم من إرضاء مجتمع مريض بكلامه


فالضغوط قد تكون قاسية والنميمة قد تكون قاتلة لكن ما بينهما يبقى القرار الإنسانى هو الفاصل إما أن نكون مجتمعاً يقتل بعضه بعضاً بالكلام أو مجتمعاً يُنقذ بعضه بعضاً بالصمت الرحيم والكلمة الصادقة .



تعليقات