لماذا تُغتال الكفاءة فى مكاتب الإدارة ويُكافأ الضعف بلا خجل
✍️ بقلم المهندس ياسر أبو الغيط
................................................
فى دهاليز العمل الرسمى حيث يُفترض أن تُصاغ القرارات بميزان العدل وتُبنى المؤسسات على أكتاف الأكفاء يحدث العكس أحياناً بصورة تدعو للدهشة وتستفز العقول وتُثير غضب كل صاحب ضمير حى هناك حيث لا تكون الكفاءة هى المعيار ولا الخبرة هى الطريق ولا الجدارة هى الجسر بل تُستبدل كل تلك القيم بمعايير أخرى خفية لا تُكتب فى لوائح ولا تُعلن فى قرارات لكنها تُمارس بقوة وكأنها قانون غير مكتوب
لماذا يختار بعض المديرين من هم أقل كفاءة وأضعف خبرة وأضيق أفقاً ليتصدروا المشهد تحت قيادتهم بينما يتم تهميش أصحاب القدرات الحقيقية سؤال يبدو بسيطاً فى ظاهره لكنه يكشف عمق أزمة أخلاقية وإدارية متجذرة
الحقيقة المؤلمة أن بعض المديرين لا يبحثون عن من يضيف بل عن من يُطيع لا يريدون عقلاً يفكر بل رأساً ينحنى لا يريدون شخصية قيادية تشارك وتناقش بل شخصية تابعة تردد وتُصفق لأن وجود شخص قوى بجوار مدير ضعيف يفضح ضعفه ويكشف محدوديته بينما وجود شخص أضعف منه يمنحه شعوراً زائفاً بالقوة والسيطرة
وهنا يظهر أخطر سلاح يُستخدم فى هذا العبث وهو إستغلال النصوص القانونية تلك البنود التى وُضعت لضبط العمل وتحقيق العدالة تتحول فى يد البعض إلى أدوات إنتقائية تُفسر وفق الهوى وتُطبق وفق المصلحة فيُقال إن القانون يجيز وإن اللائحة تسمح بينما الحقيقة أن النص يُحرف عن معناه ليخدم قراراً مُسبقاً تم إتخاذه بناءً على الولاء لا الكفاءة
فى هذا المناخ تختنق الطموحات وتُكسر المجاديف ويُصاب المجتهد بالإحباط حين يرى أن شهاداته وخبراته وتقاريره الممتازة لا تعنى شيئاً أمام علاقات شخصية أو مجاملات أو مصالح متبادلة وهنا يبدأ التراجع لا فى الأفراد فقط بل فى المؤسسة بأكملها لأن البناء الذى يُقام على الضعف لا يصمد طويلاً
الأخطر من ذلك أن هذه الإختيارات لا تُدمر الحاضر فقط بل تقتل المستقبل حين يتعلم الجيل الجديد أن الطريق للترقى ليس الإجتهاد بل التبعية وليس الإبداع بل الصمت وليس الكفاءة بل القرب من صاحب القرار وهنا تتحول بيئة العمل إلى بيئة طاردة لكل صاحب قيمة وجاذبة لكل صاحب مصلحة
إن العدالة الإدارية ليست رفاهية بل ضرورة وإن إحترام معايير الإختيار من مؤهل دراسى وخبرة وسن وتقرير كفاءة ليس مجرد إجراء شكلى بل هو العمود الفقرى لأى مؤسسة تريد أن تنجح وتستمر أما العبث بهذه المعايير فهو إعلان غير مباشر عن بداية الإنهيار
وفى نهاية هذا المشهد الموجع يبقى السؤال الذى يجب أن يقف أمامه كل مسئول بصدق لا بهروب
هل تختار من يعمل معك ليضيف إلى العمل أم لتضيف أنت إلى شعورك بالسيطرة حتى ولو كان الثمن هو ضياع الكفاءة وإنهيار المؤسسة ؟ .
