يُقهر العلم ويعلو الجهل
✍️ بقلم المهندس ياسر أبو الغيط
فى مشهد يكاد يُفقد العقل إتزانه قبل أن يُفقد المؤسسة توازنها يقف صاحب المؤهل العالى فى زاوية صامتة يراقب واقعاً لا يمت للعدل بصلة حيث يتقاضى أقل مما يتقاضاه من هم أقل منه علماً وخبرة بل وقد لا يملكون مؤهلاً من الأساس ومع ذلك تتدفق عليهم الحوافز والبدلات كأنها أنهار لا تنضب جهد إضافى وبدل سهر ومكافآت وبدل الجمعة والسبت والعطلات حتى يتحول دخلهم إلى راتب آخر موازى لمرتبهم الأساسى بينما يظل هو حبيس راتب جامد لا يتحرك وكأن إجتهاده جريمة يُعاقب عليها لا فضيلة تُكافأ
أى ميزان هذا الذى يُوزن به الناس داخل بعض مؤسساتنا الحكومية حيث تنقلب المعايير رأساً على عقب فيُصبح العلم عبئاً ويُصبح الجهل ميزة ويُصبح الصمت حكمة لأن الكلام لا يُغير شيئاً فى واقعٍ صُمم ليخدم فئة بعينها على حساب العدالة نفسها
إنها ليست مجرد فروق مالية بل هى صفعة معنوية قاسية يتلقاها كل من آمن بأن التعليم هو الطريق الوحيد للإرتقاء وأن الشهادة ليست ورقة بل تاريخ من التعب والسهر والكفاح ووراءها أُسر دفعت من عمرها ومالها وأحلامها حتى يصل إبنها إلى هذه المكانة فإذا به يُفاجأ أن تلك المكانة لا قيمة لها فى ميزان المؤسسة وأن من هو دونه مؤهلاً يقف فوقه منصباً وراتباً وتأثيراً
والأدهى من ذلك أن هذا الخلل لا يتوقف عند حدود المال بل يمتد إلى السلطة الأدبية داخل العمل حيث يرأس الأقل مؤهلاً الأعلى منه ويُعطى صلاحيات القرار والتقييم والتوجيه وكأن المؤسسة تعلن صراحة أن معيار القيادة لا علاقة له بالكفاءة ولا بالعلم بل بشىءٍ آخر لا يُكتب فى اللوائح لكنه يُمارس فى الواقع بكل وضوح
وهنا يتحول السؤال من مجرد إستنكار إلى إتهام صريح أى لوائح تلك التى تسمح بهذا العبث وأى تفسير يمكن أن يُقدم لإضفاء الشرعية على وضعٍ يضرب مبدأ تكافؤ الفرص فى مقتل إذا كانت اللوائح تمنح المسئول حرية التقدير فهل تحولت هذه الحرية إلى باب خلفى للإنحياز وإذا كانت تخالف روح القانون الذى يُفترض أنه يحمى العدالة فهل أصبح القانون نفسه غريباً داخل مؤسساته
إننا أمام أزمة قيم قبل أن تكون أزمة نظم لأن المؤسسة التى تقبل بأن يُهان فيها صاحب العلم وتُرفع فيها مكانة من لا يملك أدواته إنما تُرسل رسالة خطيرة لكل جيل قادم مفادها أن الإجتهاد لا جدوى منه وأن الطريق ليس بالعلم بل بشىء آخر أخطر وأفسد
هذا الواقع لا يصنع فقط موظفاً محبطاً بل يصنع جيلاً فاقد الثقة فى كل شىء فى قيمة التعليم فى جدوى الكفاح فى معنى العدالة نفسها وحين يفقد الإنسان إيمانه بهذه القيم فلا تنتظر منه إنتاجاً ولا إبداعاً ولا إنتماءً لأن الروح التى تُهدر كرامتها لا تُعطى بل تنسحب فى صمت تاركة المكان لفراغٍ قاتل
إن الإصلاح لا يبدأ بزيادة الرواتب فقط بل يبدأ بإعادة الإعتبار للمعيار الصحيح أن يكون العلم فى مكانه وأن تكون الكفاءة هى الطريق الوحيد للترقى وأن تُراجع اللوائح التى تُستخدم ستاراً للتمييز وأن يُحاسب كل من يعبث بميزان العدالة تحت أى مسمى لأن بقاء الحال على ما هو عليه ليس مجرد ظلم لفرد بل هو إنهيار تدريجى لمؤسسة بأكملها
وتبقى الحقيقة التى لا يمكن الهروب منها أن أمة تُهين علمائها داخل مؤسساتها لا يمكن أن تتقدم وأن مؤسسة تُعلى من شأن العشوائية على حساب الكفاءة إنما تحكم على نفسها بالبقاء فى دائرة العجز مهما إمتلكت من موارد لأن العدل وحده هو الذى يصنع القوة وما دونه لا يصنع إلا وهماً مؤقتاً سرعان ما ينهار .
