📁عاااااااااجل

خلف الشاشة : كيف تصنع السوشيال ميديا بيئة معادية للنساء

 

خلف الشاشة

خلف الشاشة : كيف تصنع السوشيال ميديا بيئة معادية للنساء 

كتبت: غادة المصري 


لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للتعبير عن الرأي أو مشاركة التفاصيل اليومية، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة واسعة لإطلاق الأحكام الجماعية وصناعة الاتهامات، خاصة في القضايا المرتبطة بالزواج والخلافات الأسرية، وفي هذا الصدد، يأتي هذا التقرير بتعاون محرر جريدة الأسبوع العربي مع منصة "مؤنث سالم" لنسلط الضوء على الأبعاد الرقمية لتلك الأزمات؛ فمع كل أزمة أو خلاف بين العائلات حول الأمور المادية أو ترتيبات الزواج، تنتقل المناقشات سريعًا من نطاقها الخاص إلى الفضاء الرقمي، فبعض الأسر لا تؤمن بتعزيز مشاركة الفتيات في أمور قد تخصهن مثل زواجهن، فتكون الاتفاقات عادة بين العريس وأهله ووالد العروس ورجال أسرتها.

وعند حدوث خلافات تتعلق بالقائمة أو الشبكة أو غيرها من الترتيبات المادية، يتحول النقاش سريعًا من خلاف عائلي بين الرجال إلى موجات من الإهانة والسخرية والهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي 

ويستهدف هذا الهجوم الفتاة بشكل مباشر، حيث تتحمل هي مسؤولية الأزمة كاملة، رغم أنها قد لا تكون طرفًا أساسيًا في اتخاذ تلك القرارات أو المفاوضات من البداية، لتجد بعض الفتيات في مواجهة موجات من السخرية والهجوم والتنمر، رغم أن الخلاف قد يكون في الأصل بين أطراف أخرى. 

ويرتبط ذلك أحيانًا بنظرة مجتمعية تقليدية ترى أن الفتاة في حاجة دائمة إلى "معيل" أو طرف يوفر لها الاستقرار المادي، وهو ما يجعل بعض الخطابات الرقمية تتعامل مع أي خلاف مادي مرتبط بالزواج باعتباره انعكاسا لرغبات الفتاة وحدها، حتى وإن كانت بعيدة عن تفاصيل التفاوض أو اتخاذ القرار، ولا يقتصر أثر هذا الخطاب على تحميل الفتيات مسؤولية الخلافات، بل يمتد إلى تكريس صور نمطية تقدم النساء باعتبارهن الطرف الأكثر ارتباطا بالمطالب المادية أو السعي وراء المصلحة الشخصية.

كما قد يؤدي إلى خلق مناخ رقمي يدفع بعض الفتيات إلى تجنب المشاركة في النقاشات المتعلقة بحقوقهن أو التعبير عن آرائهن بشأن قضايا الزواج، خشية التعرض للسخرية أو الاتهام أو وصفهن بالجشع، وهو ما يحد من حضور أصواتهن في النقاش العام. 

وتظهر هذه الممارسات كأحد أشكال “العنف الرقمي غير المباشر” ، حيث لا يتم الاعتداء عبر الإهانة المباشرة فقط، بل من خلال التعميم، والسخرية الجماعية، وتحويل الخلافات العائلية إلى محتوى يحمل الفتاة وحدها مسؤولية الأزمة، حتى في الحالات التي تكون فيها القرارات أو المفاوضات قد تمت بين الأهل أو العائلات دون تدخل مباشر منها. 

ويقصد بالعنف الرقمي غير المباشر ذلك النوع من العنف الذي لا يتمثل في إهانة مباشرة أو خطاب عدائي صريح، وإنما يظهر في صورة سخرية أو تلميحات أو تعميمات يتم تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 

ويساهم هذا النوع من الخطاب الرقمي في خلق بيئة إلكترونية معادية للنساء، حيث تتعرض الفتاة لموجات من السخرية والاتهام والتعميم، ما قد يدفعها في كثيرًا من الحالات إلى التراجع عن التعبير عن موقفها أو الدفاع عن حقها، تجنبًا لمزيد من الهجوم أو التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي.


 الصوت الغائب: حين يُحكى عن الفتيات.


وأكدت بعض الشهادات تحت أسماء مستعارة أن عددًا من الفتيات لا يمتلكن القدرة الكاملة على مواجهة أسرهن أو إبداء آرائهن في القرارات المتعلقة بالزواج، بينما أشارت شهادات أخرى إلى وجود فتيات قادرات على رفض بعض العادات وفقا لقناعتهن الشخصية، المرتبطة بالزواج، أو حتى التمسك بها. 

ومن بين الفتيات اللاتي أكدن قدرتهن على مواجهة أسرهن، "د م" ( 28 عامًا) إنها تعرضت إلى انتقادات وتعليقات ساخرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعد إعلانها رفض بعض الشروط المادية التي اقترحتها أسرتها خلال فترة خطبتها. 

وأنها تعرضت "بعد انتهاء الخطبة للعنف الرقمي لأسباب مادية، انتشرت روايات غير صحيحة عن سبب الخلاف قائلة "بدأت أقرأ تعليقات تتهمني بالطمع وفرض الطلبات على الطرف الآخر، رغم أنني كنت من البداية أرفض المبالغة في أي مطالب" ولذلك قررت الرد على بعض هذه الاتهامات وتوضيح موقفها، قائلة: "كنت أعرف أن الصمت سيجعل الناس تصدق رواية واحدة فقط، صدمت من رد الفعل والتجربة كانت مرهقة نفسيًا" 

ورغم ما مرت به لكنها تمسكت بحقها في توضيح الحقيقة وعدم السماح للآخرين بالتحدث نيابة عنها، مضيفة: "الهجوم كان مزعجا، لكني فضلت المواجهة بدلًا من ترك الآخرين يرسمون صورتي أمام الناس" 


وقالت "سماح.ع "(23 عامًا) إنها أصبحت تتجنب التفاعل مع المنشورات المتعلقة بالزواج بعد تعرضها لسيل من التعليقات الساخرة بسبب رأي كتبته على إحدى صفحات التواصل الاجتماعي .

"كتبت تعليقا بسيطا كنت أقول فيه إن كل حالة تختلف عن الأخرى وإنه لا يصح تعميم الأحكام على جميع الفتيات، لكن فوجئت بتعليقات تتهمني اتهامات مبالغ فيها، رغم عدم طرحي لأي رؤية تخص الرجل. 

وأشارت إلى أن التجربة جعلتها أكثر حذًرا في التعبير عن آرائها عبر الإنترنت خاصة في مواضيع جندرية موضحة: "لم أكن طرفًا في أي خلاف ومع ذلك تعرضت للهجوم فقط أنني قدمت وجهة نظر مختلفة." 

وأكدت أن هذا النوع من التفاعل يجعل كثيًرا من الفتيات يفضلن الصمت والابتعاد عن النقاشات العامة، خشية التعرض للسخرية أو سوء الفهم.

أما “م س” (١٩عامًا)  من محافظة الوادي، فقد قدمت شهادة مختلفة، مؤكدة أنها لم تكن قادرة على التدخل في القرارات المتعلقة بالجوانب المادية للزواج، بسبب العادات السائدة في محيطها الاجتماعي، والتي تجعل الحديث في تلك الأمر مقتصرا على الأسرة والرجال. 

وقالت إن والدها طلب من الشاب المتقدم لها مطالب مادية اعتبرتها مبالغًا فيها، لكنها لم تتمكن من الاعتراض أو التعبير عن رأيها، موضحة: “كنت حابة أتكلم وأقول إن الطلبات كبيرة، لكن ما كنتش أقدر أواجه أسرتي أو أتناقش ”. 

وأضافت أنها فوجئت لاحقا بأن اللوم والاتهامات تم توجيهها إليها شخصيًا، بعدما سمعت من بعض أفراد عائلته أن هي التي طلبت، وشاهدت تعليقًا على موقع من مواقع التواصل الاجتماعي من الشخص الذي كان متقدم لخطبتها يحملها المسؤولية بشكل مباشر رغم عدم مشاركتها في القرار. 


وتشير الشهادات إلى أن قدرة الفتيات على التعبير عن آرائهن والمشاركة في القرارات المتعلقة بالزواج لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تختلف باختلاف الخلفيات الاجتماعية والثقافية والأسرية، إلى جانب طبيعة العلاقة داخل الأسرة نفسها، ففي حين تتمتع بعض الفتيات بمساحة أكبر للحوار وإبداء الرأي، تواجه أخريات قيودا اجتماعية أو عائلية تحد من مشاركتهن في القرارات التي تمس حياتهن بشكل مباشر.


رأي الخبراء: بين الخطاب الرقمي والاستقطاب.


قالت الأستاذة عزة كامل، أحد المتخصصات في القضايا النسوية إن الخطاب العنيف وخطاب الكراهية ضد النساء على مواقع التواصل الاجتماعي  لم يعد يقتصر على التعليقات الفردية، بل أصبح جزءً من الاستقطاب والنزاع بين الرجال والنساء عبر الفضاء الرقمي.  

وأشارت إلى أن بعض التعليقات المتداولة على مواقع التواصل، خاصة في القضايا المرتبطة بالعلاقات الأسرية أو العنف ضد النساء، تساهم في تعزيز الخطاب العدائي والتطبيع معه، موضحة أن الكثير من المحتوى الذي يتم تداوله حاليًا يتجاوز مجرد السخرية، ليصل أحيانًا إلى تبرير العنف أو التقليل من خطورته.  

وأضافت أن هذه الظواهر لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والقانوني، معتبرة أن غياب التدخلات الحقيقية لمعالجة قضايا الأحوال الشخصية أو حماية النساء من أشكال العنف المختلفة يساهم في استمرار هذه الخطابات  وانتشارها. 

كما رأت أن بعض السرديات المجتمعية التقليدية ما تزال تقدم الرجل باعتباره المسؤول المادي الوحيد داخل  العلاقة، بينما يتم اختزال دور المرأة في أدوار نمطية مرتبطة بالرعاية والخدمة، وهو ما ينعكس بدوره على  طبيعة النقاشات المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت أن مواجهة هذا النوع من الخطاب لا تتوقف عند القوانين فقط تتطلب أيضا تطوير الخطاب التعليمي  والديني وتعزيز مفاهيم المساواة وعدم التمييز داخل المجتمع.

 

الأثر النفسي للعنف الرقمي.


ولا تقتصر تداعيات هذا الخطاب على الفضاء الرقمي فقط، إذ يرى متخصصون في الصحة النفسية أن  التعرض المستمر للسخرية والتعميم والهجوم الإلكتروني قد يترك آثارا نفسية واجتماعية ممتدة، خاصة على  الفتيات اللاتي يجدن أنفسهن محل اتهام أو لوم جماعي عبر مواقع التواصل الاجتماعي.  

وترى الأخصائية  في الصحة النفسية "منة الله مجدي" أن تحميل شخص مسؤولية قرارات لم يكن طرفًا أساسيًا فيها قد يترك آثارا  نفسية متعددة، من بينها الشعور بالعجز وفقدان القدرة على التحكم في تفاصيل حياته الخاصة، إلى جانب الإحساس باللوم المستمر والتشكيك في قدرته على اتخاذ قراراته بشكل مستقل.

وأضافت أن وجود بيئة رقمية معادية، تقوم على السخرية والهجوم والتعميم، قد يدفع بعض الفتيات إلى تجنب التفاعل والتعبير عن رآيهن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خوفًا من التعرض للهجوم أو التشهير أو الإهانة.

وأشارت إلى أن العديد من الدراسات النفسية تناولت تأثير مواقع التواصل الاجتماعي على الفتيات، موضحًة أن  الثقة بالنفس قد تصبح مرتبطة بصورة كبيرة بنظرة المجتمع وردود الفعل الرقمية. 

كما لفتت إلى أن التكرار المستمر للخطاب العدائي ضد النساء  قد يساهم تدريجيًا في ترسيخ  وتطبيع هذا النوع من العنف داخل  المجتمع.

 

أرقام ودراسات.


ولا تقتصر تداعيات العنف الرقمي على التجارب الفردية، بل تعكسها أيضا تقارير ودراسات تناولت اتساع  الظاهرة عالميًا، فقد أشار مرصد الأزهر في تقرير لمكافحة التطرف والعنف ضد النساء، أن نحو %67 من النساء تعرضن لشكل من أشكال العنف  الرقمي، فيما أوضحت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة بتاريخ ٢٥ نوفمبر ٢٠٢٥ أن نسب تعرض النساء والفتيات للعنف عبر الفضاء الرقمي تتراوح بين %38 و%85 بحسب طبيعة المجتمعات والمنصات المستخدمة.  

وتعكس هذه الأرقام حجم البيئة الرقمية المعادية التي قد تواجهها النساء، خاصة مع تصاعد الخطابات القائمة  على السخرية والتشهير والتعميم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. 


 من الشاشة إلى الواقع: امتداد العنف.


وفي النهاية، لا يمكن القول إن جميع الفتيات لديهن نفس القدرة على التعبير عن رأيهن أو الاعتراض على القرارات المرتبطة بحياتهن، فهذه القدرة تختلف من فتاة لأخرى، فهناك من يساعدها التعليم أو الاستقرار المادي على أن تكون أكثر قدرة على التعبير والمواجهة، وهناك من تجعلها ظروفها الاقتصادية أو الاجتماعية أقل قدرة على المواجهة أو الرفض. 

لذلك، فإن فهم هذه الفروقات ومراعاتها يُعد ضرورة عند مناقشة قضايا مثل الزواج، لأن القرار لا يعتمد فقط على الرأي الشخصي، بل يتأثر أيضا بالظروف المحيطة التي تحدد مدى قدرة الفتاة على التعبير عنه.

ومن هنا، يصبح التعامل مع هذه القضايا بشكل عام دون مراعاة اختلاف الظروف الفردية نوعا من التبسيط الذي لا يعكس الواقع كما هو، ولا يساعد على فهم أعمق لطبيعة القرارات التي تتخذها النساء داخل سياقات مختلفة.

ولا يمكن فهم العنف الرقمي بمعزل عن السياقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تُشكّل تجارب النساء في الفضاء الرقمي، ومن ثم، فإن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة لا تقتصر على الحماية القانونية والتقنية فقط،  بل تمتد إلى تعزيز الوعي، وتمكين النساء، وتهيئة بيئة تضمن لهن حق التعبير والمشاركة بأمان.

تعليقات