📁عاااااااااجل

 


قصة قصيرة من مجموعتى القصصية صدى الارواح

بقلم / أحمد درويش العربى

في ظهيرة يومٍ قائظ، وقف سامي، موظف البريد، أمام خزانة الطرود في مركز البريد المركزي، يتأمل ظرفًا بنيًا سميكًا، كُتب عليه بخط واضح:

المرسل إليه: حامد عبد الرازق فرحات – منطقة العوايد شماعة – الإسكندرية.

رفع سامي حاجبه متعجبًا؛ فلا رقم منزل، ولا اسم شارع، ولا علامة مميزة، بل مجرد اسم ومنطقة.

ضغط على الظرف بأصابعه. لم يكن له وزن يُذكر، لكن الختم الأحمر في زاويته العليا حمل عبارة واضحة:

«عاجل – بعِلم الوصول».

لم يكن أمام سامي إلا أن يستقل دراجته البخارية متجهًا إلى منطقة العوايد شماعة، التي يعرفها جيدًا بحكم عمله، ويعرف معظم سكانها، بل ويحفظ أسماء الكثير منهم.

توجه مباشرة إلى الحاج نشأت علوان، أحد أقدم سكان المنطقة، وسأله:

— هل تعرف أحدًا يُدعى حامد عبد الرازق فرحات؟

ضحك الحاج نشأت وقال:

— يا أستاذ سامي، يوجد أربعة رجال في العوايد يحملون هذا الاسم!

ثم رفع أصابعه يعدهم واحدًا تلو الآخر:

  • الأستاذ حامد، موظف حكومي خرج إلى المعاش المبكر.
  • الحاج حامد، تاجر بضائع، لكن أحواله تعثرت مؤخرًا.
  • الأستاذ حامد، مثقف المنطقة، لا يُرى إلا في الندوات ودور الثقافة.
  • الشيخ حامد، رجل متدين، يخطب بالناس ويؤمهم في الصلاة.

ثم ربت على كتف سامي قائلًا:

— ستضطر إلى زيارتهم واحدًا تلو الآخر، فمن المؤكد أن من ينتظر خطابًا من الخارج سيخبرك بذلك.

اقتنع سامي بالنصيحة، وبدأ رحلته في البحث بين الحوامد الأربعة.

الأول: الموظف المتقاعد

طرق سامي الباب، فخرج إليه رجل بوجه عابس، يرتدي جلبابًا رماديًا باهتًا.

— أستاذ حامد عبد الرازق فرحات؟

— نعم... خيرًا؟

— أنا من البريد، وأحمل إليك خطابًا بعِلم الوصول، ويجب التوقيع على استلامه.

رمق الرجل الظرف بريبة، ثم سأل:

— ممن هذا الخطاب؟ ومن أي بلد؟

— من الخارج، لكن لا يوجد اسم للمرسل.

تجمدت ملامح حامد، وبدأت الأفكار تنهشه.

ربما قضية قديمة... أو مطالبة ضريبية... أو تلك الشيكات التي وقعتها دون رصيد... لا... لا، لن أستلم هذا الخطاب.

هز رأسه وقال بحسم:

— لا بد أن هناك خطأ، أنا لست المقصود.

اعتذر سامي وانصرف إلى ثاني الحوامد.

الثاني: التاجر المتعثر

في متجر يعج بالبضائع الراكدة، جلس الحاج حامد يراقب حال تجارته البائس.

وما إن رأى سامي يقترب حتى ظنه زبونًا.

— السلام عليكم... حامد عبد الرازق فرحات؟

— وعليكم السلام، معك، تفضل.

— معي خطاب بعِلم الوصول باسمك.

غامت عيناه، وبدأ يحدث نفسه:

هل هو إنذار من البنك؟ لقد تأخرت في سداد القسط الثالث... أم هي شكوى من أحد العملاء؟ لا... هذا الخطاب لا يخصني.

رفع رأسه فجأة وقال:

— أنا آسف، لن أستلم هذا الخطاب.

غادر سامي متجهًا إلى ثالث الحوامد.

الثالث: المثقف الحائر

على شرفة ضيقة، جلس رجل أنيق يقرأ كتابًا في هدوء.

— أستاذ حامد عبد الرازق فرحات؟

— نعم، تفضل.

— خطاب بعِلم الوصول... من الخارج.

ساد صمت قصير، ثم قال بعد تفكير طويل:

— لم أطلب شيئًا من الخارج... هل يمكن أن يكون أحد قد استخدم اسمي؟ لا... لست أنا المقصود. شكرًا لك.

غادر سامي وهو أكثر حيرة.

الرابع: الشيخ الوقور

في بيت صغير مجاور للمسجد، فتح الشيخ حامد الباب بهدوء.

استمع إلى سامي وهو يروي له ما حدث مع الحوامد الثلاثة، ثم قال بعد صمت:

— لا أعرف أحدًا في الخارج، وأخشى أن يكون الأمر متعلقًا بجهة رسمية أو أمنية. لا أظنني المعني بهذا الخطاب... لا، لن أستلمه. معذرةً يا بني.

خرج سامي محبطًا، وقد استقر في ذهنه أنه سيعيد الظرف إلى البريد مختومًا بعبارة:

«تعذر الاستدلال على المرسل إليه.»

الخامس: الصدفة

وقبل أن يستقل دراجته، اصطدم برجل خرج لتوه من بقالة، وكاد الظرف يسقط من يده.

قال الرجل معتذرًا:

— آسف، لم أقصد.

ابتسم سامي وقال:

— بل أنا الغافل، فقد أعياني أمر هذا الظرف.

وقع بصر الرجل على الاسم المكتوب، فصاح بدهشة:

— هذا اسمي... أنا حامد عبد الرازق فرحات!

اتسعت عينا سامي من الدهشة.

— أنت الخامس؟! لكن لماذا لم يذكر الحاج نشأت اسمك؟

ابتسم الرجل وقال:

— لأن الجميع منذ صغري ينادونني «حمدان»، وهو اسم جدي، حتى الحاج نشأت نفسه لا يعرفني إلا بهذا الاسم.

ثم قال مازحًا:

— لا أنتظر خطابًا، لكن أظن أنني أستطيع مساعدتك.

تسلم الظرف، ووقّع على استلامه، ثم فتحه بفضول طبيعي، لا بدافع الخوف ولا الطمع.

فإذا بداخله شيك بمبلغ خمسمائة ألف دولار باسم حامد عبد الرازق فرحات.

وكانت معه رسالة قصيرة، مكتوبة بخط اليد:

أنا مروان... صديق طفولتكم.

كنا ستة؛ خمسة يحملون الاسم نفسه، وأنا.

راهنت على أنني أعرفكم أكثر مما تعرفون أنفسكم، وأن الزمن لم يغيّر أرواحكم.

أرسلت الخطاب دون اسم مرسل، مكتفيًا بالاسم المشترك، لأنني كنت أعلم أن أربعة منكم سيرفضونه، بدافع الخوف، أو الشك، أو الحسابات المعقدة.

وكنت واثقًا أن واحدًا فقط سيستلمه... لأنه يشبهني.

إنسان لا يخشى المجهول، ولا يبالغ في الظنون، ويُقبل على مساعدة الآخرين دون تردد.

ذلك هو... أنت يا حمدان.

جلس حمدان مذهولًا.

لم يكن ذهوله لأنه ربح المال، بل لأنه أدرك أن قرارًا بسيطًا، اتخذه بعفوية لمساعدة موظف البريد، كان كفيلًا بأن يغيّر حياته كلها.

لم يكن يحلم بشيء.

ولم يطمع يومًا في شيء.

لقد فعل فقط ما اعتاد أن يفعله دائمًا.

مد يده ليقتحم المجهول، حين ترددت أيادٍ كثيرة.

تعليقات