📁عاااااااااجل

بين الرقابة وصحة المواطن..قراءة فى اسبوع بورسعيد الرقابى

 

بين الرقابة وصحة المواطن.. قراءة في أسبوع بورسعيد الرقابي

بقلم/عماد سمير 

​تُقاس حافية المجتمع وجوهر الرعاية الصحية فيه بمدى كفاءة خط الدفاع الأول؛ ذلك الخط غير المرئي الذي يقف حائلاً بين المواطن اليومي وبين خيارات غذائية قد تؤذي صحته أو تعطل حياته. وفي عالم تزايدت فيه الشواغل الاقتصاديّة والضغط التشغيلي على الأسواق، تتحول عملية "مراقبة الأغذية" من مجرد إجراء إداري روتيني إلى واجب أخلاقي ومجتمعي بامتياز.

​من هذا المنطلق، لم تكن الحملات المكثفة التي شهدتها محافظة بورسعيد في الفترة من 13 إلى 18 يوليو 2026 مجرد أرقام تُسجل في تقارير دورية، بل كانت تعبيراً جلياً عن فلسفة وقائية تهدف إلى صون الجسد المصري قبل أن تدعو الحاجة لعلاجه.

الميدان.. حين تتحدث الحقائق

​عندما ينزل مفتش الأغذية إلى الشارع، فهو لا يحمل فقط دفتر المحاضر، بل يحمل أمانة تطبيق معايير سلامة الغذاء. والجولات التي شملت 38 منشأة غذائية خلال أسبوع واحد، كشفت لنا عن زوايا تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها بحيادية وشفافية.

​إن إعدام 80 كجم من المواد الغذائية المتنوعة و58 ليترًا من العصائر والزيوت نتيجة تغير خواصها الطبيعية، يطرح سؤالاً جوهرياً حول ثقافة التخزين والحفظ لدى بعض القائمين على تداول الأطعمة. السلعة التي تتغير خواصها ليست مجرد خسارة مادية للتاجر، بل هي خطر حيوي داهم يمس سلامة الأسرة التي تشتريها.

تحدي الوعي والالتزام القانوني

​بالنظر إلى الإحصاءات التي أسفرت عنها الحملة، نجد أن المخالفات لم تقتصر على فساد المنتج ذاته، بل امتدت إلى بيئة العمل والسلبيات البشرية:

  • غياب الشهادات الصحية (22 محضرًا): هذا الرقم ليس مجرد ورقة ناقصة في ملف، بل يعني غياب الضمانة الطبية بخلو العامل من أمراض قد تنتقل عبر الطعام. تداول الأغذية بلا شهادة صحية سارية هو استهانة مباشرة بحق المستهلك.
  • اشتراطات المنشأة (16 محضرًا): غياب الاشتراطات الصحية البيئية في أماكن التجهيز يعكس حاجة بعض المنشآت إلى إعادة النظر في البنية التحتية لطرق التحضير والنظافة العامة.

الضرب بقوة القانون: حزم لا بد منه

​إن التوصية بإغلاق 11 منشأة غذائية —من بينها 8 منشآت تدار بدون ترخيص و3 منشآت تحتوي على مصادر تلوث— هي الخطوة الأكثر أهمية في هذه الحملة. فالعمل خارج الأطر القانونية لا يُعد فقط تهرباً تنظيمياً، بل يمثل بؤرة بعيدة عن أي رقابة صحية دورية.


​وحين تجتمع "إدارة المنشأة بلا ترخيص" مع "وجود مصادر تلوث حادة"، يغدو قرار الإيقاف الفوري والتشميع ضرورة قصوى لحماية المصلحة العامة، وليس إجراءً تعسفياً كما قد يظن البعض.


كلمة أخيرة: سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة

​إن التوجيهات الصادرة من القيادة الصحية، بدءاً من وزارة الصحة ووصولاً إلى مديرية الشؤون الصحية والأطقم الوقائية ببورسعيد، تعكس إرادة حقيقية لفرض الانضباط. ولكن، يظل الركيزة الأساسية لهذا الانضباط قائمة على وعي المواطن أولاً، وضمير التاجر ثانياً.

​الرقابة ليست عصاً تُشهر للترهيب، بل هي بوصلة لضبط السوق لضمان أن تبقى "لقمة العيش" آمنة كريمة. ويبقى الأمل أن تتواكب هذه الحملات التفتيشية الصارمة مع برامج توعية مستمرة للمصنعين والمتداولين، لنصل إلى يوم تكون فيه بيئة الغذاء المصري نموذجاً يُحتذى به في الأمان والسلامة.

تعليقات