الثَّقَافَةُ لَيْسَتْ تَرَفًا... بَلْ رِسَالَةٌ :
كتب سمير ألحيان إبن الحسين
الثَّقافَةُ الَّتي وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ المُقاوَمَةِ
لم تُولَدِ الثَّقافةُ العربيَّةُ الإسلاميَّةُ في أحضانِ الرَّفاهيَّةِ، ولا نشأت في بيئةٍ خاليةٍ من التحدِّيات، وإنَّما وُلِدَتْ مِنْ رَحِمِ المُقاوَمَةِ؛ مقاومةِ قسوةِ الصحراءِ، ومقاومةِ شراسةِ الأعداءِ، ثمَّ ازدادت عمقًا واتِّساعًا مع بزوغ نور الإسلام، ذلك الدِّين الذي جعل مقاومةَ الشَّرِّ رسالةً خالدةً، سواءٌ أكان هذا الشَّرُّ كامنًا في أعماق النَّفس، أم متجسِّدًا في واقع الحياة، في عالم الشَّهادة أو في عالم الغيب.
ومع تعاقبِ الأيَّامِ، واتِّساعِ الأفقِ الحضاريِّ للأمَّة، راكمت هذه الثَّقافةُ رصيدًا هائلًا من التَّجارب، واكتسبت خبرةً تاريخيَّةً عميقةً وهي تواجه أعنف الصِّراعات وأشدَّها ضراوةً؛ من مقاومة الحملات الصليبيَّة، إلى مواجهة مختلف أشكال الاستعمار والهيمنة التي عرفها العالم الإسلامي عبر تاريخه.
ولذلك لم تكن الثَّقافةُ العربيَّةُ الإسلاميَّةُ يومًا مجرَّد مخزونٍ من المعلومات، أو ركامًا من العادات والتقاليد، بل كانت ـ وما تزال ـ ثقافةً تُقاوِمُ الظُّلمَ، وتُنافِحُ عن الحقِّ، وتدعو إلى تحرير الإنسان من كلِّ أشكال العبوديَّة لغير الله تعالى.
فصاحبُ هذه الثَّقافة لا يرضى بالذِّلِّ، ولا يستسيغ التَّبعيَّة، ولا يُهادن الفساد، ولا يصمت عن الظُّلم، لأنَّ جوهرَها قائمٌ على صيانة كرامة الإنسان، وإعلاءِ قيمة الحرِّيَّة المسؤولة، وإقامة العدل بين النَّاس.
أمَّا إذا رأيتَ مَن ينتسب إلى هذه الثَّقافة ثم يقبل بالمذلَّة، أو يُسوِّغ الظُّلم، أو يُزيِّن الاستبداد، فاعلم أنَّ فهمه لها فهمٌ قاصرٌ، سطحيٌّ، مبتورٌ عن حقيقتها، وربَّما كان بعيدًا عن روحها كلَّ البعد.
فمتى ندرك أنَّ ثقافتنا ليست قشورًا تُحفَظ، ولا شعاراتٍ تُردَّد، ولا موروثًا يُستحضَر عند الحاجة، وإنَّما هي منظومةٌ معرفيَّةٌ وأخلاقيَّةٌ تُقاوِمُ الجورَ، والفجورَ، والشرورَ، وتُحقِّقُ للإنسان حريَّةَ الوجود في أسمى معانيها، وكمالَ إنسانيَّته في أبهى تجلِّياتها؟
إنَّ أخطرَ ما يُهدِّدُ الأمم ليس فقرَ الموارد، وإنَّما فقرُ الوعي، وليس ضعفُ الإمكانات، وإنَّما ضعفُ البصيرة. ولذلك فإنَّ المثقَّف الحقيقيَّ لا يملك ترفَ الصمت، ولا رفاهيَّةَ الحياد، لأنَّ رسالتَه لا تقف عند حدودِ جمعِ المعلومات، بل تبدأ من تحمُّل مسؤوليَّة الكلمة، واستشعار أمانة المعرفة، والقيام بواجب التبصير والتنبيه إلى المخاطر التي تُحدق بالمجتمع.
فإذا تخلَّى المثقَّف عن أداء هذه الرسالة، فما القيمة التي يُضيفها إلى أمَّته؟ إنَّه ليس طبيبًا يعالج الأبدان، ولا عاملَ نظافةٍ يُزيل الأذى عن الطُّرقات، وإنَّما رسالتُه أسمى من ذلك كلِّه؛ إنَّه يُداوي العقول من الجهل، ويوقظ الضمائر من غفلتها، ويُسهم في حماية الوعي من التضليل والانحراف.
إنَّ شأنَكَ الثَّقافيَّ يبدأ من حبِّكَ للمعرفة، وعطشكَ الصادقِ إلى العلم، وفضولكَ الفكريِّ الإيجابيِّ. فهذه الخصال ليست صفاتٍ عابرة، بل هي الأجنحةُ القيميَّةُ والمعنويَّةُ التي تُحلِّقُ بالإنسان في رحاب الفكر، وتدفعه إلى الإسهام في بناء مجتمعه، وصناعة التغيير، وتقديم قيمةٍ مضافةٍ لكلِّ من يعيش حوله.
فالثقافة الحقَّة ليست ترفًا ذهنيًّا، ولا لقبًا يُعلَّق على الصدور، وإنَّما هي رسالةٌ، وكلُّ رسالةٍ لا تُثمر إصلاحًا، ولا تُضيء طريقًا، ولا تبعث أملًا، تبقى رسالةً لم تكتمل بعد.
رَحْمَةُ القُلُوبِ... أَسَاسُ بِنَاءِ الأُمَمِ
إنَّ بناءَ أُمَّتِنا اليومَ مُتصدِّعٌ، لا لأنَّها تفتقر إلى الطاقات، ولا لأنَّها تعاني من قلَّة الإمكانات، بل لأنَّ بأسَنا بيننا شديد، ولأنَّ كثيرًا من جسورِ المودَّةِ والرَّحمةِ قد تصدَّعت تحت وطأةِ الخصومات، وسوءِ الظنون، وتآكلِ الثقةِ بين أبناء الأمَّة الواحدة.
وما كان لهذا البناءِ المكسورِ أن يلتئم إلَّا إذا أعدنا إلى قلوبنا ما افتقدته من رحمةٍ، ومحبَّةٍ، وتسامحٍ، وحسنِ ظنٍّ، فكم من أُمَّةٍ هزمها عدوُّها من الخارج، ثم نهضت من جديد، وكم من أُمَّةٍ أكلتها الأحقادُ من داخلها، فلم تجد بعد ذلك سبيلًا إلى النهوض.
إنَّ الظلمَ والكراهيةَ إذا استوطنا القلوب، كان خطرُهما على المجتمع أشدَّ من كثيرٍ من الأخطار الخارجيَّة، لأنَّ العدوَّ الخارجيَّ لا يستطيع أن يهدم أُمَّةً متماسكةً، أمَّا إذا تصدَّعت من الداخل، فإنَّ سقوطها يصبح أقربَ منالًا.
والنَّاسُ ـ يا أخي ـ طبائعُ شتَّى، واختلافُهم ليس عيبًا، بل هو من سُنَنِ الله في خلقه، وبه يكتمل جمالُ الحياة وتتنوَّع صورُها.
ألا ترى أنَّ الرِّياحَ العاتية إذا هبَّت، انكسرت أشجارٌ، وتناثرت أوراقُ أشجارٍ أخرى، بينما يميلُ الخيزرانُ في هدوءٍ ثم ينهضُ من جديد، وتتمايلُ النخيلُ بجريدها شامخةً، فلا تزيدها العواصفُ إلَّا ثباتًا؟
وكذلك البشر؛ فمنهم مَن إذا نزلت به الشدائد ثار وغضب، ومنهم مَن يكتم أوجاعه بصبرٍ وثبات، ومنهم مَن لا يجد ملجأً إلا محرابه، يطرق باب السماء، راجيًا أن يُفتح له بابُ الرَّحمة، ومنهم مَن تُثقله الأحزان حتى يعجز عن النهوض، ومنهم مَن يرى في تقلُّبات الحياة ـ ميلادًا كانت أو وفاةً ـ حكمةً إلهيَّةً وكمالًا ربَّانيًّا، ومنهم مَن لا يرى في كلِّ ما يُجريه الله في هذا الكون إلا آثارَ قدرةِ الله ولطفِه وحكمتِه.
ولذلك، فإنَّ الشِّدَّةَ ينبغي أن تكون على العدوِّ المعتدي، أمَّا فيما بيننا، فلا ينبغي أن يسود إلا الأدب، والرَّحمة، والتغافل، والمداراة، والسَّتر، والتواضع، وحفظُ كرامةِ الإنسان.
ومن هذا المنطلق، أجدني مضطرًّا إلى التوقُّف عند خُلُقٍ بات يؤلمني انتشاره في بعض المجتمعات، وهو ما يمكن أن أسمِّيه بُخلَ الخير.
فكم يؤسفني أن ترى بعضَ الناس إذا طُلِبَ منهم أمرٌ لا يكلِّفهم جهدًا ولا مالًا، راحوا يلتفون، ويتحجَّجون، ويتجاهلون، وكأنَّ تقديمَ معلومةٍ نافعةٍ أو نصيحةٍ صادقةٍ خسارةٌ تُنقص من أرصدتهم.
قد يكون السؤال بسيطًا؛ عن وصفةِ طعامٍ أعجبتك، أو عنوانِ متجرٍ اشتروا منه شيئًا نال استحسانك، أو عن مكانٍ زاروه، أو بلدٍ سافروا إليه، أو عن تجربةٍ مرُّوا بها يمكن أن تختصر عليك كثيرًا من العناء، أو حتى عن رأيٍ صادقٍ في شخصٍ أو جهةٍ تعرفها.
ومع ذلك، يُقابلُك بعضُهم بالمراوغة، أو الإبهام، أو التهرُّب، وكأنَّ الخيرَ أصبح عبئًا، والمعلومةَ أصبحت ملكيَّةً خاصَّةً لا يجوز أن ينتفع بها غيرُه.
وفي تقديري، فإنَّ جميعَ هذه التصرُّفات، على اختلاف صورها، يجمعها وصفٌ واحدٌ لا غير: قلَّةُ الخير.
وعلى النقيض من ذلك، ترى أناسًا يحملون الخير في طباعهم؛ يبادرون إلى النصح، ويُهدون المعرفة، ويُشاركون تجاربهم، ويقدِّمون ما ينفع الآخرين دون انتظار مقابل، لا لمصلحةٍ شخصيَّة، ولا طلبًا لثناء، وإنَّما لأنَّ الخيرَ أصبح خُلُقًا يجري في نفوسهم، كما يجري النورُ في المصابيح.
وهؤلاء هم الذين يُشيِّدون المجتمعات في صمت، لأنَّهم يُدركون أنَّ الكلمةَ النافعة صدقة، وأنَّ الدلالةَ على الخير خير، وأنَّ نشرَ المعرفة من أعظم صور الإحسان.
لقد أمرنا الله تعالى ورسولُه ﷺ أن نحبَّ لإخواننا ما نحبُّ لأنفسنا، وأن نجعل الخيرَ عادةً، والعطاءَ خُلُقًا، والإحسانَ منهجًا في التعامل مع الناس.
قد لا نملك سلطانًا كاملًا على مشاعر قلوبنا، لكنَّنا نملك سلطانًا على أفعالنا، ومسؤولون عنها أمام الله والتاريخ والناس؛ ولذلك فإنَّ الحبَّ الحقيقيَّ لا تُثبته كثرةُ الكلمات، وإنَّما تُصدِّقه الأفعال، وتُترجمه المواقف، وتُخلِّده آثارُ الخير التي نتركها في حياة الآخرين
الوَفَاءُ لِأَهْلِ الفَضْلِ... وَحِفْظُ وَحْدَةِ الأُمَّةِ
وفي خِضَمِّ ما تعيشه أُمَّتُنا اليوم من أحداثٍ جسامٍ وتحدِّياتٍ متلاحقة، ونحن نبحث عن سبيلٍ يجمع الكلمة، ويوحِّد الصف، ويُعيد إلى الأمَّة شيئًا من تماسكها، يبرز سؤالٌ لا ينبغي أن نتجاوزه:
كيف يليق بنا أن ننسى فضلَ أناسٍ علَّمونا من دين الله كلمةً، أو حديثًا، أو آيةً، أو أيقظوا في عقولنا فكرةً، وفتحوا أمامنا بابًا من أبواب المعرفة؟
لقد سَقَوا بفيض علومهم أرواحًا كانت عطشى، وأحيَوا بعطائهم عقولًا كانت قاحلة، وغرسوا في نفوس أجيالٍ كثيرة بذور الإيمان، والعلم، والوعي، حتى صار كثيرٌ ممَّا نحمله اليوم من خيرٍ ثمرةً من ثمار جهودهم.
فإن أخطأ واحدٌ منهم في اجتهادٍ، أو زلَّ في موقفٍ، أو ضعفت قواه بعد عمرٍ طويلٍ من البذل والعطاء، أفَيكون جزاؤه أن نُسقِطَ تاريخَه كلَّه، ونمحو فضله، ونتنكَّر لما قدَّمه لأمَّته؟
إنَّ الإنصاف خُلُقٌ، والوفاء قيمةٌ، والجحود ليس من شِيَمِ الكرام.
وفي زمنٍ أصبحت فيه الأمَّة أحوجَ ما تكون إلى الرحمة، وأشدَّ ما تكون حاجةً إلى لمِّ الشمل، فإنَّ أولى الناس بحُسن الظن، وجميل الذكر، وحفظ الفضل، هم أولئك الذين كان لهم أثرٌ في تعليمنا، وتربيتنا، وإيقاظ وعينا.
وإذا كان رجالٌ رابطوا على الثغور، وقدَّموا أرواحهم ودماءهم دفاعًا عن الأوطان والمقدسات، فإنَّ نصرتنا لإخواننا لا تكون بالسلاح وحده، بل تكون أيضًا بأخلاقٍ محمديَّةٍ جامعة، تُطفئ نار الفتنة، وتجمع القلوب، وتُعلي من شأن الحكمة والرحمة.
إنَّ الغضب لما يصيب الأمَّة أمرٌ مفهوم، بل قد يكون دليلًا على حياة القلب، غير أنَّه لا يجوز أن يتحوَّل إلى كلماتٍ تُشعل الفتن، أو تُعمِّق الفرقة، أو تُسيء إلى إخواننا، فتكون سهامُنا موجَّهةً إلى صدور بعضنا بعضًا بدل أن تتوجَّه إلى أسباب الفرقة والعدوان.
فليست تلك أخلاقَ نبيِّنا محمدٍ ﷺ، الذي جمع بين قوَّة الموقف، وسماحة الخلق، وبين الثبات على الحق، والرِّفق بالمؤمنين.
إنَّ الثقافة الحقَّة ليست ترفًا فكريًّا، ولا زخرفةً لغويَّة، ولا لقبًا يُزيِّن صاحبه، وإنَّما هي رسالةُ بناءٍ، ورسالةُ وعيٍ، ورسالةُ رحمةٍ، ورسالةُ وفاءٍ، ورسالةُ إصلاحٍ، تبدأ بإصلاح الإنسان، وتمتدُّ إلى إصلاح المجتمع، حتى تُسهم في نهضة الأمَّة كلِّها.
فلنحفظ لأهل الفضل فضلهم، وللعلماء مكانتهم، وللمصلحين أثرهم، ولنجعل من اختلافنا سبيلًا إلى التكامل، لا بابًا إلى التنازع، ومن محبتنا لبعضنا قوةً، لا شعارًا يُردَّد.
فتحيةُ محبَّةٍ، واحترامٍ، وتقديرٍ، لكلِّ من أنار دربَ الأمَّةِ بكلمةِ علمٍ، أو صدقِ نصيحةٍ، أو حسنِ تربيةٍ، أو مخلصِ دعوةٍ، فكان سببًا في إزالة جهلٍ، أو إحياء وعيٍ، أو غرس أملٍ في قلب إنسان.
