الكارت الاحمر اسرار فساد الفيفا بين السياسة والاقتصاد
كتب المحلل السياسى محمد محسن
كتاب الكارت ألاحمر : الاقتصاد السياسي لكرة القدم
كيف أصبحت اللعبة الأكثر شعبية في العالم واحدة من أكبر صناعات النفوذ؟
من لعبة عالمية إلى صناعة عالمية
عندما أصدر أستاذ العلوم السياسية الأمريكي جولز بويكوف كتابه Red Card، لم يكن ينضم إلى سيل الكتب التي صدرت عن الفساد في الاتحاد الدولي لكرة القدم، أو عن الجدل الذي أحاط باستضافة بطولات كأس العالم خلال العقدين الماضيين. فقد تناولت مئات الكتب والصحف تلك القضايا من قبل، وكشفت التحقيقات القضائية في الولايات المتحدة وسويسرا كثيراً من تفاصيلها. الجديد في هذا الكتاب أنه يطرح سؤالاً مختلفاً: كيف تحولت كرة القدم إلى واحدة من أكثر الصناعات تأثيراً في الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية؟ ولماذا أصبحت بطولة كأس العالم حدثاً تتنافس عليه الحكومات كما تتنافس عليه المنتخبات؟
هذا السؤال هو مفتاح الكتاب كله. فلا ينظر بويكوف إلى كأس العالم باعتبارها البطولة الرياضية الأكبر فحسب، بل باعتبارها نموذجاً مكثفاً للعولمة في صورتها الحديثة، حيث تختلط الدولة باقتصاد السوق، وتتحول الرياضة إلى منصة للتجارة والدبلوماسية والثقافة والإعلام في وقت واحد. ومن هذه الزاوية لا تبدو كرة القدم استثناءً، بل واحدة من أكثر الصناعات قدرة على التعبير عن طبيعة النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين.
ولم تصل اللعبة إلى هذه المكانة مصادفة. فعندما تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904، لم يكن أكثر من منظمة صغيرة تهدف إلى تنسيق المباريات الدولية. وحتى منتصف القرن العشرين بقيت كأس العالم بطولة محدودة من حيث الإيرادات والجمهور. لكن نقطة التحول جاءت مع انتخاب البرازيلي جواو هافيلانج رئيساً للفيفا عام 1974. أدرك هافيلانج أن كرة القدم تملك جمهوراً يفوق أي نشاط ترفيهي آخر، لكنها لا تزال تُدار بعقلية الهواة. فتح الباب أمام الرعاة العالميين، وربط البطولة بالشركات متعددة الجنسيات، ومنح حقوقاً تجارية حصرية لعلامات مثل كوكاكولا وأديداس، وحول كأس العالم من بطولة رياضية إلى منتج إعلامي عالمي. لم يكن ذلك مجرد تطوير إداري، بل كان إعادة تعريف كاملة لوظيفة الفيفا.
واصل السويسري سيب بلاتر هذا المسار بعد عام 1998، لكن على نطاق أوسع. فقد تضاعفت عائدات كأس العالم دورة بعد أخرى، وأصبحت حقوق البث التلفزيوني تمثل المصدر الرئيسي للإيرادات، بينما دخلت شركات الاتصالات، والخدمات المالية، والسيارات، والطيران، والملابس الرياضية في شبكة الرعاية العالمية. ولم يعد نجاح البطولة يقاس بعدد الأهداف أو جودة المباريات، بل أيضاً بحجم العقود التجارية، وعدد المشاهدين، وقيمة العلامة التجارية للفيفا نفسها.
من هنا ينطلق بويكوف ليقول إن الفيفا لم تعد مجرد اتحاد رياضي، بل أصبحت مؤسسة تدير أحد أكبر الأصول الاقتصادية في العالم. قد يبدو هذا الوصف مبالغاً فيه لأول وهلة، لكنه يكتسب قدراً من المنطق عندما ننظر إلى الأرقام. فميزانية الفيفا للدورة المالية 2023-2026 تقترب من 13 مليار دولار، بينما يتوقع أن تكون نسخة 2026 الأكبر في تاريخ البطولة بمشاركة 48 منتخباً وإقامة 104 مباريات في ثلاث دول وست عشرة مدينة. هذه ليست مجرد زيادة في عدد المباريات، وإنما توسع في حجم السوق نفسه. فكل مباراة إضافية تعني ساعات بث جديدة، وعقود رعاية إضافية، وعشرات الآلاف من التذاكر، وملايين المشاهدات الرقمية، وسوقاً استهلاكية تتسع عاماً بعد آخر.
غير أن أهم ما يلفت النظر في الكتاب ليس الأرقام، بل الطريقة التي يقرأ بها هذه الأرقام. فبويكوف يرى أن الاقتصاد لم يعد يدور حول كرة القدم، وإنما أصبحت كرة القدم نفسها جزءاً من الاقتصاد العالمي. المدن التي تستضيف البطولة لا تبني ملاعب فقط، بل توسع مطارات، وتطور شبكات نقل، وتعيد تخطيط أحياء كاملة، وتستثمر في الفنادق والاتصالات والخدمات. الحكومات لا تسعى إلى الفوز بحق التنظيم من أجل المباريات وحدها، بل من أجل ما تمنحه البطولة من حضور دولي، وجذب للاستثمارات، وتنشيط للسياحة، وتعزيز للعلامة الوطنية. والشركات لا تدفع مليارات الدولارات لأن جمهور كرة القدم يشتري منتجاتها في شهر واحد، بل لأن البطولة تمنحها فرصة للوصول إلى جمهور عالمي لا يجتمع في مناسبة أخرى بهذا الحجم.
وهنا يخرج الكتاب من حدود الرياضة إلى مجال الاقتصاد السياسي. فالاقتصاد السياسي لا يهتم بحجم الإيرادات وحده، بل يهتم أيضاً بمن يملك القرار، وكيف توزع المنافع، ومن يتحمل الكلفة. ومن هذا المنطلق يطرح بويكوف سؤالاً مشروعاً: إذا كانت الحكومات تتحمل الجزء الأكبر من تكاليف الأمن، والبنية الأساسية، والخدمات العامة، بينما تذهب نسبة كبيرة من العوائد التجارية إلى الفيفا والرعاة وحقوق البث، فمن الرابح الحقيقي من استضافة البطولة؟
لا يقدم المؤلف إجابة واحدة، لكنه يلفت الانتباه إلى أن العلاقة بين الفيفا والدول لم تعد علاقة اتحاد رياضي مع دولة مضيفة، بل أصبحت علاقة تفاوض بين مؤسسة عالمية تمتلك أصلاً اقتصادياً بالغ القيمة، وحكومات مستعدة لتقديم تنازلات واسعة من أجل الحصول على حق التنظيم. وهنا تظهر إحدى أهم أفكار الكتاب: القوة في كرة القدم لم تعد تُقاس بعدد الأهداف، بل بامتلاك الحدث نفسه.
لكن هذه الأطروحة، على جاذبيتها، ليست كاملة. فالمؤلف يركز بصورة كبيرة على منطق السوق، ويمنح الاقتصاد الدور الحاسم في تفسير كل التحولات تقريباً. والحقيقة أن كرة القدم بقيت، رغم كل شيء، ظاهرة ثقافية قبل أن تكون صناعة. فلا يمكن تفسير الحضور الجماهيري الهائل، أو الانتماء العاطفي للأندية والمنتخبات، أو قدرة اللعبة على تجاوز الحدود واللغات، من خلال حسابات الربح وحدها. ولو كانت كرة القدم مجرد سلعة، لما استطاعت أن تحتفظ بهذا القدر من الشغف الشعبي عبر أكثر من قرن.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للكتاب. فهو لا يقدم الحقيقة النهائية عن كرة القدم، بل يقدم عدسة جديدة للنظر إليها. يجعل القارئ يخرج من دائرة النتائج والتكتيك والبطولات إلى دائرة أخرى أكثر اتساعاً، حيث تتداخل السياسة بالاقتصاد، والإعلام بالدبلوماسية، والرياضة بإدارة الصورة الدولية. وبعد قراءة هذا الجزء من الكتاب، يصبح من الصعب النظر إلى كأس العالم بوصفها مجرد بطولة تنتهي بتتويج منتخب، لأن ما يجري خارج المستطيل الأخضر لا يقل أهمية، في كثير من الأحيان، عما يجري داخله.
كيف أصبحت اللعبة الأكثر شعبية في العالم واحدة من أكبر صناعات النفوذ؟
الفيفا… إمبراطورية تتجاوز حدود الملاعب
إذا كان القرن العشرون قد شهد صعود الشركات متعددة الجنسيات بوصفها أحد أبرز الفاعلين في الاقتصاد العالمي، فإن العقود الثلاثة الأخيرة أفرزت نموذجاً مختلفاً يصعب تصنيفه بالمعايير التقليدية. فلا الفيفا شركة تجارية بالمعنى القانوني، ولا هي منظمة حكومية، ولا مؤسسة دولية مثل الأمم المتحدة، ومع ذلك تمارس نفوذاً يجعلها في بعض الأحيان أقرب إلى كيان عابر للحدود يمتلك القدرة على فرض قواعده على الحكومات والمدن والشركات. وهذه هي الفكرة التي تشغل الحيز الأكبر من كتاب جولز بويكوف؛ فالقضية بالنسبة إليه ليست فساد مسؤول هنا أو تضارب مصالح هناك، وإنما التحول الذي جعل مؤسسة رياضية تتحكم في واحد من أكبر الأحداث الاقتصادية والإعلامية في العالم.
لم يحدث هذا التحول فجأة. فقد تطورت الفيفا بالتوازي مع التحولات الكبرى التي شهدها الاقتصاد العالمي منذ سبعينيات القرن الماضي. توسعت أسواق البث الفضائي، وظهرت الشركات العابرة للقارات، وارتفعت قيمة العلامات التجارية، ثم جاءت الثورة الرقمية لتضاعف قيمة المحتوى الرياضي. في هذا السياق لم تعد المباراة منتجاً قائماً بذاته، بل أصبحت نقطة البداية لسلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية. فكل دقيقة لعب تنتج ساعات من التحليل التلفزيوني، وآلاف المقاطع الرقمية، وملايين التفاعلات على منصات التواصل، وحركة إعلانية ضخمة، وأسواقاً للمراهنات، وتطبيقات للهواتف، وقواعد بيانات تسجل كل ما يفعله المشجع منذ لحظة شراء التذكرة وحتى مغادرته الملعب.
يعتبر بويكوف أن هذا التحول غير طبيعة السلطة داخل كرة القدم. ففي الماضي كانت الأندية والمنتخبات هي مركز اللعبة، أما اليوم فقد أصبحت البطولة نفسها هي الأصل الاقتصادي الحقيقي. ولهذا تتعامل الفيفا مع كأس العالم باعتباره منتجاً عالمياً يحتاج إلى إدارة متكاملة، وليس مجرد مسابقة تستمر شهراً ثم تنتهي. ويكفي النظر إلى دورة 2026 لفهم حجم هذا التغيير. فعدد المباريات ارتفع إلى 104، وعدد المنتخبات إلى 48، واتسعت الرقعة الجغرافية لتشمل ثلاث دول في وقت واحد، بينما تحولت المدن الست عشرة المضيفة إلى شبكة اقتصادية متصلة، ترتبط بخطط أمنية وسياحية وإعلامية واستثمارية موحدة. لم تعد البطولة تنتقل من دولة إلى أخرى، بل أصبحت مشروعاً اقتصادياً متعدد المراكز، يدار بمنطق الشركات العالمية أكثر مما يدار بمنطق الاتحادات الرياضية.
ويلفت الكتاب الانتباه إلى أن القيمة الحقيقية لكأس العالم لم تعد تكمن في بيع التذاكر، ولكن في بيع حق الوصول إلى الجمهور. فالشركات لا تستثمر مليارات الدولارات لأنها تتوقع زيادة فورية في المبيعات خلال شهر البطولة، وإنما لأنها تدرك أن كأس العالم يمنحها فرصة للوصول إلى جمهور عالمي يصعب أن يجتمع في مناسبة أخرى. ولهذا تتغير طبيعة الرعاية من مجرد وضع شعار على لوحة إعلانية إلى شراكة في صناعة التجربة نفسها، من التطبيقات الرقمية إلى المحتوى التفاعلي، ومن التحليلات القائمة على الذكاء الاصطناعي إلى الحملات الإعلانية المصممة لكل سوق على حدة.
ومن هنا يطرح بويكوف واحدة من أكثر أفكاره إثارة للجدل، وهي أن المشجع لم يعد الهدف النهائي للبطولة، بل أصبح جزءاً من المنتج نفسه. فكل عملية شراء، وكل تفاعل رقمي، وكل رحلة سفر، وكل صورة تنشر من داخل الملعب، تضيف قيمة اقتصادية جديدة إلى المنظومة. ولم يعد الجمهور مجرد متلقٍ للمباراة، بل تحول إلى شريك غير مباشر في إنتاج قيمتها التجارية. هذه الفكرة قد تبدو قاسية، لكنها تعكس تحولاً أوسع في الاقتصاد الرقمي، حيث أصبحت البيانات والانتباه والوقت الذي يقضيه المستخدم أمام الشاشة أصولاً لا تقل قيمة عن السلع التقليدية.
لكن القراءة النقدية تقتضي التوقف عند حدود هذه الأطروحة. فبويكوف يفسر معظم التحولات من خلال منطق السوق، بينما تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فمن الصعب إنكار أن التوسع في كأس العالم منح منتخبات من آسيا وإفريقيا وأمريكا الشمالية فرصاً لم تكن متاحة في النظام القديم، كما يصعب تجاهل أن كرة القدم ما زالت تحتفظ بقدرة استثنائية على إنتاج لحظات يتراجع فيها منطق السوق أمام منطق الانتماء والهوية والذاكرة. ملايين المشجعين لا يسافرون وراء منتخباتهم لأنهم جزء من صناعة، بل لأنهم يرون في الرياضة امتداداً لهويتهم الوطنية والثقافية.
وربما تكشف بطولة 2026 نفسها حدود رؤية المؤلف. فقد أثبتت الأسابيع الأولى من البطولة أن الحدث قادر في الوقت نفسه على إنتاج أرباح قياسية وإثارة نقاشات سياسية حادة، وعلى جذب جمهور غير مسبوق مع استمرار الانتقادات المتعلقة بالهجرة والأمن وأسعار التذاكر. وهذا يعني أن كأس العالم لا ينجح دائماً في فرض الرواية التي ترغب فيها الفيفا أو الحكومات، بل يتحول أحياناً إلى منصة تكشف التناقضات بدلاً من إخفائها. وهنا يبدو مفهوم «الغسل الرياضي» أقل قدرة على تفسير كل ما يجري، لأن البطولة قد تصبح، في بعض الأحيان، مساحة لتضخيم الأزمات لا لتجميلها.
ومع ذلك، لا يفقد الكتاب أهميته. فبويكوف يذكر القارئ بأن كرة القدم لم تعد شأناً رياضياً خالصاً، وأن فهمها يتطلب النظر إلى ما وراء النتائج والجداول. فعندما تتنافس المدن على الاستضافة، والشركات على الرعاية، والمنصات على حقوق البث، والحكومات على الظهور، يصبح من المشروع الحديث عن اقتصاد سياسي لكرة القدم، لا عن اقتصاد الرياضة فقط. لقد خرجت اللعبة منذ زمن من حدود المستطيل الأخضر، وأصبحت جزءاً من التوازنات الاقتصادية والثقافية والجيوسياسية للعالم المعاصر.
وهذا هو الإنجاز الحقيقي للكتاب. فهو لا يطلب من القارئ أن يتخلى عن شغفه بكرة القدم، ولا يحاول إقناعه بأن البطولة مجرد مشروع تجاري ضخم. بل يدعوه إلى النظر إلى المشهد كاملاً؛ إلى الهدف الذي يهز المدرجات، وإلى العقد الذي وقع قبل سنوات كي يصبح ذلك الهدف حدثاً عالمياً. وبين هذين المشهدين تمتد المسافة التي يحاول جولز بويكوف استكشافها، وهي المسافة التي تجعل من كرة القدم اليوم واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في السياسة والاقتصاد والثقافة، لا مجرد اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
