كواليس «عصارة القصب».. هل نشرب عصيرًا طازجًا أم «مزيجًا من الملوثات المعوية»؟
كتب: عماد سمير
يُقبل الملايين يومياً على تناول "عصير القصب" باعتباره المشروب الشعبي الأول لمواجهة حرارة الصيف، وبديلًا طبيعيًا ورخيصًا للمشروبات الغازية. لكن خلف هذا المذاق السكري المنعش، قد تختبئ كواليس مرعبة داخل بعض محلات العصير التقليدية، تحول هذا المشروب المغذي إلى "قنبلة موقوتة" تهدد الصحة العامة بسبب غياب اشتراطات سلامة الغذاء وممارسات التصنيع الجيد.
مؤخراً، أثار منشور متداول على منصات التواصل الاجتماعي جدلاً واسعاً حول طبيعة ما يحدث داخل بعض هذه المحلات، مسلطاً الضوء على 5 ثغرات خطيرة تبدأ من الحقل وتنتهي في كوب الزجاج. المقال يناقش هذه النقاط من منظور رقابي وتحليلي للوقوف على حجم المخاطر الحقيقية.
من الطين إلى العصارة.. رحلة بلا غسيل!
تبدأ الأزمة من طرائق التعامل مع المادة الخام؛ إذ تكتفي العديد من المحلات بـ "كحت" أعواد القصب بشكل خفيف لإزالة الأوراق الجافة، دون إخضاعها لعملية غسيل حقيقية بالماء الجاري. هذا الإجراء البدائي يعني دخول أعواد القصب إلى العصارة محملة بالأتربة، وبقايا المبيدات، وبيوض الحشرات والميكروبات الدقيقة التي لا تُرى بالعين المجردة، لتمتزج مباشرة بالسائل الذي يتناوله المستهلك.
معادن رخيصة وتخمّر خلف الكواليس
الخطر لا يتوقف عند الملوثات الخارجية، بل يمتد إلى الآلات نفسها. تعتمد بعض المحلات على عصارات ذات تروس حديدية مطلية بطبقات من النيكل الكروم الرخيص التي تتقشر مع مرور الوقت وتتآكل نتيجة الاحتكاك، مما يؤدي إلى تسرب جزيئات معدنية دقيقة وثقيلة إلى العصير. وحين تُستخدم خامات "الستانلس ستيل"، فإن بعض المصانع تلجأ للنوع التجاري (عيار 201) الأقل مقاومة للتآكل مقارنة بالنوع الغذائي المعتمد (عيار 304).
علاوة على ذلك، فإن طبيعة عصير القصب الغنية بالسكريات تجعله بيئة مثالية لنمو الخمائر والبكتيريا. عدم تفكيك أجزاء العصارة وتطهيرها بشكل دوري يؤدي إلى تراكم البقايا وتخمرها، مما يسهم في تشكيل مستعمرات بكتيرية لزجة (بيوفيلم) تجذب الحشرات والقوارض داخل الماكينة.
كارثة «مكعبات الثلج» ومأساة الكوب الزجاجي
تكتمل الدائرة الخطيرة في مرحلة التقديم؛ حيث تلجأ بعض المحلات غير الملتزمة إلى استخدام "ثلج البلاطات" غير المخصص للاستهلاك الآدمي، والذي يتم تكسيره باستخدام أدوات خشبية بيئتها رطبة وجاذبة للبكتيريا، وعلى أرضيات قد لا تكون نظيفة بما يكفي.
أما اللمسة الأخيرة، فتبدأ وتنتهي عند "حوض شطف الأكواب"؛ حيث تُغسل الأكواب الزجاجية سريعاً بالماء فقط دون استخدام المنظفات والمطهرات اللازمة، ودون تجفيف صحي، مما يجعلها أداة فعالة لنقل الفيروسات والعدوى من لعاب زبون إلى آخر.
كلمة الفصل.. العصير بريء والممارسات متهمة!
من الناحية العلمية والصحية، لا يمكن تصنيف عصير القصب كمنتج زراعي بأنه "خطر"، بل إن الممارسات التصنيعية السيئة وغياب الوعي الصحي هي المتهم الأول.
ولتأمين هذا المشروب الشعبي، تشترط الجهات الرقابية حزمة من الإجراءات الإلزامية على المحلات، أبرزها:
- مرحلة الغسيل الأولي: تخصيص أحواض لغسل وعزل أعواد القصب بالماء الجاري قبل العصر.
- الالتزام بالخامات الغذائية: إلزامية استخدام الستانلس ستيل الغذائي (المقاوم للتآكل) لجميع الأجزاء الملامسة للعصير.
- التطهير الدوري: تطبيق جداول تنظيف وتطهير صارمة وموثقة لفك الآلات وتعقيمها بانتظام لمنع التخمر.
- آمن ومضمون: إلزام المحلات باستخدام الثلج المصنوع من مياه مفلترة وصالحة للشرب، والتحول نحو استخدام الأكواب أحادية الاستخدام (الورقية أو البلاستيكية) لضمان قطع دابر العدوى.
يبقى الوعي المجتمعي وتكثيف الحملات التفتيشية من قبل الأجهزة الرقابية هما خط الدفاع الأول لحماية صحة المواطنين، وتحويل "كوب القصب" من مصدر محتمل للنزلات المعوية إلى مشروب آمن وصحي تماماً.


