📁عاااااااااجل

الأديان السماوية والأديان الوضعية.. وحقوق العباد


 الأديان السماوية والأديان الوضعية.. وحقوق العباد

بقلم: هيثم أيوب

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد،

تتردد في صدور الكثير من بني آدم أسئلة عميقة، تختلف إجاباتها من شخص إلى آخر، مما يفتح بابًا لجدلٍ سرمدي لا ينتهي، وتُبنى عليها الكثير من الأفكار والآراء التي قد تُشتت العباد عن حقيقة الكون وخالقه. ومن أبرز هذه التساؤلات:

  • ماذا لو لم تنزل الأديان، ولم تكن هناك أديان وضعية؟
  • هل الأديان الوضعية مجرد تأليف بشري خالص؟
  • ما هي قناعاتنا بوجود الأديان، سواء كانت سماوية أم من وضع البشر؟
  • وهل تحافظ جميع الأديان بالقدر ذاته على العلاقة بين الإنسان والآخر؟

بعيدًا عن الدراسات الأكاديمية والمقارنات الجافة، فإن هذه الأسئلة وما شابهها قد تُعد أحيانًا «فتحًا شيطانيًا»؛ إذ يضع إبليس نفسه في موضع «المعلم الراشد» الذي يضلل الإنسان، ويفتح له سبيلًا لينسى ذكر الله، ويبتعد عن أوامره ونواهيه.

تلاقي الظواهر وتشتت الحقائق

إذا كان ثمة رأيٌ يبدو موضوعيًا في الظاهر، فهو أن جلَّ الأديان تدعو إلى قيمٍ ومبادئ متشابهة؛ كالحث على الأخلاق الحميدة، وحسن العلاقات، والحفاظ على الحقوق، وأداء الواجبات، بل إن الكثير منها يقر بوجود إلهٍ واحدٍ للكون.

ولكن... أين تكمن الحقيقة؟ وكيف السبيل إلى الوصول إليها؟

الحقيقة تكمن في معرفتك الحقيقية بوجود الشيطان، واليقين بوساوسه وأفعاله تجاه بني آدم. ومع اختلاف ذكره ووصفه وتعريفه في الثقافات المختلفة، سواء بالرمزية أو بالاسم الصريح، فإنه حاضر في الوجدان الإنساني باختلاف أسمائه ومسمياته، مثل: إبليس، ولوسيفر، وغيرها من التسميات التي ترمز إلى الشر. وهو العدو الأول الذي يكدح ليلًا ونهارًا ليُضل بني آدم عن الإيمان الحق؛ ذلك الإيمان الذي يجمع بين التصديق القلبي والعمل الصالح.

فإذا كان الإيمان بالغيب هو السكينة واليقين اللذان يسكنان القلب، فإن آثاره الواضحة ينبغي أن تظهر في سلوك الإنسان وأخلاقه، وتتجلى بوضوح في حفظ حقوق العباد.

الفيصل بين المنهج الرباني والمنهج الوضعي في حفظ الحقوق

هنا تحديدًا يظهر الفارق الجوهري والفيصل الحاسم بين ما هو سماويٌّ يُوحَى، وما هو وضعيٌّ يُصنع.

الأديان الوضعية (صناعة البشر): مهما بلغت فلسفتها من الرقي، ودعوتها إلى القيم الحميدة، فإنها تظل قاصرة؛ لأنها نابعة من عقلٍ بشري محدود يتأثر بالهوى والمصلحة والزمان والمكان. وفي الأديان الوضعية تكون حقوق العباد نسبية، يحددها الأقوى بما يحقق مصالحه على حساب الأضعف، كما تفتقر إلى الوازع الغيبي؛ فإذا غابت رقابة القانون، ضاعت الحقوق واستُبيحت الحرمات.

الأديان السماوية (منهج الله تعالى): تأتي من لدن الله اللطيف الخبير، العليم بمن خلق. وهنا لا تكون حقوق العباد مجرد قوانين جامدة، بل تصبح عبادةً ودينًا يُتقرب بهما إلى الله. ففي منهج الله، يُعد ظلم العباد خطًا أحمر، لا يمحوه الاستغفار المجرد، بل لا بد من رد الحقوق والمظالم إلى أصحابها. وقد جعل الله حرمة دم الإنسان وعرضه وماله أعظم عنده من حرمة الكعبة المشرفة.

إن إبليس يدرك أن أسهل طريق لإفساد الأرض هو إفساد العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، فيزين للناس الظلم، ويبرر لهم اغتصاب الحقوق تحت مسميات شتى، ويشغل عقولهم بالجدل الفكري العقيم؛ لينسوا الغاية الإنسانية الكبرى.

لكن الرسالة الخاتمة التي جاء بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حسمت هذا الصراع بربط الإيمان بالعمل والمسؤولية الإنسانية، فلم تترك حقوق العباد لضميرٍ بشري متقلب، بل جعلتها أمانة عظيمة يُسأل عنها العبد بين يدي الله يوم القيامة، ويُقتص فيها للمظلوم من الظالم.

إن الأسئلة التي تدور في الصدور ليست بالضرورة شرًا، بل قد تكون بداية الطريق إلى اليقين إذا قادتنا إلى التفكر في عدالة الله المطلقة. فما دامت الأديان السماوية قد حفظت للإنسان كرامته، وما دام في القلب نبضٌ يخشى يوم الحساب، فإن وساوس الشيطان ستتبدد كالدخان أمام نور الحق والعدل الإلهي.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

تعليقات