حروب الشائعات الصحية..عندما تصبح الأكاذيب خطرا على مائدة المصريين
كتب/م.عماد سمير
لم تعد الشائعة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي مجرد معلومة خاطئة تنتشر لساعات ثم تختفي، بل أصبحت أشبه بـ«فيروس إعلامي» سريع الانتشار، قادر على إثارة الذعر داخل البيوت، والتأثير في سلوك المواطنين، بل وتهديد قطاعات اقتصادية كاملة.
وتزداد خطورة الشائعات عندما تقترب من صحة الإنسان وغذائه، فمجرد منشور مجهول المصدر يحذر من سلعة غذائية أو يتحدث عن تفشي مرض أو تلوث منتج قد يكون كافيًا لإثارة حالة من الهلع، ودفع المواطنين إلى العزوف عن منتجات آمنة أو تداول معلومات غير دقيقة تزيد من المخاوف بدلًا من أن تحمي الصحة العامة.
وهنا تظهر أهمية وجود منظومة رقابية قادرة على التحرك السريع، لا لمواجهة المخاطر الصحية الحقيقية فقط، وإنما أيضًا لمواجهة «المعلومة المضللة» قبل أن تتحول إلى أزمة مجتمعية.
وفي مصر، تمثل منظومة الرقابة الصحية على الغذاء أحد أهم خطوط الدفاع عن صحة المواطنين، من خلال الأدوار الميدانية للجهات المختصة بوزارة الصحة والسكان، وفي مقدمتها أجهزة مراقبة الأغذية التابعة لقطاع الطب الوقائي، بالتوازي مع الدور الرقابي والتنظيمي للهيئة القومية لسلامة الغذاء، إلى جانب الجهات البيطرية والمعامل المختصة وغيرها من الجهات ذات الصلة.
وتكمن أهمية العمل الرقابي الميداني في أنه لا يعتمد على التصريحات وحدها، وإنما يستند إلى إجراءات عملية تشمل المرور على المنشآت الغذائية، وفحص الأغذية المتداولة، وسحب العينات وإخضاعها للتحليل المعملي، واتخاذ الإجراءات القانونية عند ثبوت وجود مخالفة.
وعندما تظهر شائعة تتعلق بسلامة سلعة أساسية أو بوجود تلوث غذائي، فإن التعامل الصحيح معها لا يكون من خلال النفي المجرد، وإنما من خلال الدليل العلمي.
عينات من الأسواق، تحاليل معملية، نتائج موثقة، ثم إعلان واضح للحقيقة.
وهنا تتحول الرقابة من مجرد جهاز يضبط المخالفات إلى مؤسسة قادرة على حماية المواطن من خطرين في الوقت نفسه: الغذاء غير الآمن، والمعلومة غير الآمنة.
فإذا أثبتت التحاليل سلامة المنتج، يجب أن تصل هذه الحقيقة إلى المواطن بسرعة ووضوح، وإذا أثبتت وجود مشكلة، يجب الإعلان عنها واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية المستهلك ومنع تداول المنتج المخالف.
وفي المقابل، يمثل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء والجهات الحكومية المعنية أحد أهم الأدوات في معركة مواجهة الشائعات، من خلال سرعة الرصد والرد بالمعلومات الرسمية الموثقة، لأن تأخر المعلومة الصحيحة قد يترك مساحة واسعة للمعلومة الكاذبة كي تنتشر.
لكن الدولة وحدها لا تستطيع خوض هذه المعركة.
فالمواطن نفسه يمثل خط الدفاع الأول والأخير في مواجهة الشائعات، ويبدأ دوره من قاعدة بسيطة: لا تنشر ما لم تتأكد.
ليس كل منشور يحمل صورة لمنتج أو تحذيرًا صحيًا صادرًا عن «طبيب» أو «خبير» مجهول هو حقيقة، وليس كل رسالة يتم تداولها عبر مجموعات التواصل الاجتماعي تستحق إعادة الإرسال.
المصدر هو البداية، والدليل هو الفيصل.
كما أن الالتزام بالممارسات الأساسية لسلامة الغذاء، مثل النظافة الشخصية، وحفظ الأغذية في درجات الحرارة المناسبة، والطهي الجيد، وشراء المنتجات من مصادر موثوقة، يظل من أهم وسائل الوقاية الحقيقية بعيدًا عن حالة الهلع التي تصنعها الشائعات.
إن المعركة ضد الشائعات الصحية ليست معركة إعلامية فقط، بل هي جزء من منظومة حماية الصحة العامة والأمن الغذائي والثقة المجتمعية.
فالغذاء الآمن يحتاج إلى رقابة، والصحة تحتاج إلى وعي، والحقيقة تحتاج إلى سرعة في الوصول إلى المواطن.
وفي زمن تنتشر فيه المعلومة الكاذبة بضغطة زر، تصبح سرعة الحقيقة مسؤولية لا تقل أهمية عن قوة الرقابة.
لأن حماية مائدة المصريين لا تعني فقط منع الغذاء غير الآمن من الوصول إليها، وإنما تعني أيضًا منع الخوف والشائعة والمعلومة المضللة من الوصول إلى عقول أصحابها.
