📁عاااااااااجل

بَعْضُ العُقَلَاءِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُونَ حُمْقَى

 بَعْضُ العُقَلَاءِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُونَ حُمْقَى

كتب سمير ألحيان إبن الحسين 

لَيْسَ أَصْعَبَ عَلَى العَقْلِ مِنْ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِمِيزَانٍ لَا يَعْرِفُهُ، وَلَيْسَ أَغْرَبَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ البَصِيرَةِ فِي عَيْنِ مَنْ لَا يُبْصِرُ، مُجَرَّدَ شَخْصٍ لَا يَفْهَمُ مَا يَفْعَلُ.


فَالعَقْلُ لَيْسَ دَائِمًا وَاضِحًا لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ خَارِجِهِ، كَمَا أَنَّ الحِكْمَةَ لَا تَكُونُ دَائِمًا صَاخِبَةً حَتَّى يَسْمَعَهَا الجَمِيعُ.


وَلِهَذَا قَدْ يَحْسَبُ بَعْضُ الجَاهِلِينَ بَعْضَ العُقَلَاءِ حُمْقَى؛ لِأَنَّ العَاقِلَ لَا يَتَصَرَّفُ دَائِمًا وَفْقَ مَا يَنْتَظِرُهُ الجَاهِلُ مِنْهُ.


فَإِذَا صَمَتَ العَاقِلُ، ظَنَّهُ الجَاهِلُ عَاجِزًا.


وَإِذَا تَرَفَّعَ عَنِ الجَدَالِ، ظَنَّهُ ضَعِيفًا.


وَإِذَا لَمْ يَرُدَّ عَلَى الإِسَاءَةِ بِمِثْلِهَا، ظَنَّ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ الرَّدَّ.


وَإِذَا قَالَ: «لَا أَعْلَمُ»، ظَنَّ أَنَّهُ جَاهِلٌ؛ مَعَ أَنَّ أَشْجَعَ مَا يَقُولُهُ العَقْلُ أَحْيَانًا هُوَ: «لَا أَعْلَمُ.»


وَإِذَا رَفَضَ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنَ القَطِيعِ، قَالُوا عَنْهُ: غَرِيبٌ.


وَإِذَا أَصَرَّ عَلَى أَنْ يَفْكُرَ بِنَفْسِهِ، قَالُوا: مُتَفَلْسِفٌ.


وَإِذَا غَيَّرَ رَأْيَهُ لِأَنَّهُ اكْتَشَفَ أَنَّهُ كَانَ مُخْطِئًا، قَالُوا: مُتَنَاقِضٌ.


كَأَنَّ العَقْلَ فِي بَعْضِ العُيُونِ لَا يَكُونُ عَقْلًا إِلَّا إِذَا وَافَقَهَا.


وَهُنَا تَكْمُنُ المُفَارَقَةُ:


لَيْسَ كُلُّ مَنْ بَدَا غَرِيبًا عَنْكَ غَبِيًّا، فَرُبَّمَا كَانَ يَرَى مَا لَا تَرَاهُ.


وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَالَفَكَ جَاهِلًا، كَمَا أَنَّ مُوَافَقَتَهُ لَكَ لَا تَجْعَلُهُ عَاقِلًا.


فَالعَقْلُ لَا يُقَاسُ بِمُوَافَقَةِ النَّاسِ، وَلَا بِعَدَدِ الأَصْوَاتِ الَّتِي تَقِفُ مَعَكَ أَوْ ضِدَّكَ.


وَرُبَّمَا كَانَ أَكْثَرُ مَا يُرْبِكُ بَعْضَ النَّاسِ أَنْ يَلْتَقُوا بِإِنْسَانٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَصْفِيقِهِمْ كَيْ يَكُونَ وَاثِقًا مِنْ نَفْسِهِ.


إِنَّ الإِنْسَانَ المُسْتَقِلَّ فِي تَفْكِيرِهِ لَا يَكُونُ سَهْلَ القِيَادَةِ.


وَمَنْ يَمْلِكُ قُدْرَةً عَلَى قَوْلِ «لَا» فِي وَقْتٍ يَقُولُ فِيهِ الجَمِيعُ «نَعَمْ»، قَدْ يَبْدُو مُشَاغِبًا فِي عَيْنِ مَنْ تَعَوَّدُوا الطَّاعَةَ، وَمُتَكَبِّرًا فِي عَيْنِ مَنْ تَعَوَّدُوا التَّبَعِيَّةَ.


وَلَيْسَتْ كُلُّ عَدَاوَةٍ نَاتِجَةً عَمَّا فَعَلْتَهُ بِالآخَرِينَ.


فَبَعْضُ العَدَاوَاتِ قَدْ تَبْدَأُ مِنْ شَيْءٍ لَمْ تَقُلْهُ، وَلَا فَعَلْتَهُ، وَلَا قَصَدْتَهُ.


قَدْ يَكُونُ سَبَبُهَا أَنَّ ثَبَاتَكَ ذَكَّرَ شَخْصًا بِتَقَلُّبِهِ.


وَأَنَّ صِدْقَكَ جَعَلَ نِفَاقَهُ أَكْثَرَ وُضُوحًا.


وَأَنَّ اسْتِغْنَاءَكَ أَسْقَطَ وَهْمًا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ: أَنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ العَيْشَ مِنْ دُونِهِ.


وَلَكِنْ، وَهُنَا تَكْمُنُ الأَمَانَةُ، لَا يَجِبُ أَنْ نَجْعَلَ هَذِهِ الفِكْرَةَ ذَرِيعَةً لِنُعَلِّقَ عَلَى الآخَرِينَ كُلَّ أَسْبَابِ خُصُومَاتِنَا.


فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَنْتَقِدُنَا حَاسِدًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُخَالِفُنَا جَاهِلًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يَكْرَهُنَا مَرْعُوبًا مِنْ حَقِيقَتِنَا.


فَقَدْ نَكُونُ نَحْنُ المُخْطِئِينَ.


وَالعَاقِلُ الحَقِيقِيُّ هُوَ مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَضَعَ نَفْسَهُ أَمَامَ مِرْآةٍ لَا تُجَامِلُهُ.


يَسْأَلُ نَفْسَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَّهِمَ غَيْرَهُ:


هَلْ كُنْتُ عَادِلًا؟


هَلْ أَخْطَأْتُ؟


هَلْ أَسَاءَ الآخَرُ فَهْمِي، أَمْ أَنِّي أَسَاءْتُ فَهْمَهُ؟


هَلْ أَرْفُضُ نَقْدَهُ لِأَنَّهُ خَاطِئٌ، أَمْ لِأَنَّهُ أَوْجَعَ كِبْرِيَائِي؟


هُنَا فَقَطْ يَبْدَأُ العَقْلُ الحَقِيقِيُّ.


فَلَيْسَ العَاقِلُ مَنْ يَرَى نَفْسَهُ دَائِمًا عَلَى صَوَابٍ، بَلْ مَنْ يَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ لِيَعْتَرِفَ بِخَطَئِهِ حِينَ يَكْتَشِفُهُ.


وَلَيْسَ القَوِيُّ مَنْ يَجْمَعُ حَوْلَهُ أَكْبَرَ عَدَدٍ مِنَ الخُصُومِ، بَلْ مَنْ لَا يَحْتَاجُ إِلَى خَصْمٍ كَيْ يُثْبِتَ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ مُهِمٌّ.


فَالعَاقِلُ لَا يَدْخُلُ كُلَّ مَعْرَكَةٍ تُدْعَى إِلَيْهَا خُطَاهُ.


وَلَا يُجِيبُ كُلَّ سُؤَالٍ سَخِيفٍ.


وَلَا يَشْرَحُ نَفْسَهُ لِكُلِّ مَنْ أَسَاءَ فَهْمَهُ.


وَلَا يَقْضِي عُمْرَهُ فِي مُطَارَدَةِ صُورَةٍ عَنْهُ رَسَمَهَا آخَرُونَ بِأَقْلَامِهِمْ.


فَبَعْضُ الصُّوَرِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَصْحِيحٍ؛ تَكْفِي الأَيَّامُ لِتَمْسَحَ مَا كَتَبَهُ سُوءُ الفَهْمِ.


وَلَعَلَّ أَجْمَلَ مَا يَفْعَلُهُ الإِنْسَانُ العَاقِلُ أَنْ يَتْرُكَ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّونَ أَنَّهُ أَحْمَقُ.


لَا اسْتِسْلَامًا لَهُمْ، وَلَا عَجْزًا عَنِ الرَّدِّ، بَلْ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ أَنَّ كَرَامَةَ العَقْلِ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَضَعَهَا فِي مِيزَانِ كُلِّ عَابِرٍ.


فَإِذَا كُنْتَ عَاقِلًا، فَلَا تُرْهِقْ نَفْسَكَ فِي إِثْبَاتِ عَقْلِكَ لِمَنْ لَا يَمْلِكُ أَدَوَاتِ قِيَاسِهِ.


وَإِذَا كُنْتَ عَلَى حَقٍّ، فَلَا تَجْعَلْ حَقَّكَ سُلَّمًا لِلتَّعَالِي عَلَى غَيْرِكَ.


وَإِذَا أَخْطَأْتَ، فَلَا تَجْعَلْ كِبْرِيَاءَكَ سِجْنًا يَمْنَعُكَ مِنَ الرُّجُوعِ.


فَالعَقْلُ لَيْسَ أَنْ تَكُونَ أَعْلَى مِنَ الآخَرِينَ، بَلْ أَنْ تَكُونَ أَعْلَى مِنْ نَفْسِكَ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ دَائِمًا مُحِقَّةً.


وَلِذَلِكَ، لَا تَخَفْ إِذَا قَالَ عَنْكَ بَعْضُ الجَاهِلِينَ إِنَّكَ أَحْمَقُ.


فَرُبَّمَا لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ حُمْقًا فِيكَ، بَلْ كَانُوا يَرَوْنَ شَيْئًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا عَلَيْهِ:


عَقْلًا لَا يَسْتَأْذِنُهُمْ، وَمَوْقِفًا لَا يَشْتَرِيهِ رِضَاهُمْ، وَكَرَامَةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ مِنْ أَحَدٍ.


وَرُبَّمَا كَانَ أَعْظَمُ انْتِصَارٍ لِلعَاقِلِ أَلَّا يُحَاوِلَ إِثْبَاتَ عَقْلِهِ.


فَالأَيَّامُ أَعْدَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الأَحْكَامِ، وَالتَّجَارِبُ أَصْدَقُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ التُّهَمِ، وَالحَقِيقَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى صُرَاخٍ لِكَيْ تَبْقَى حَقِيقَةً.


بَعْضُ العُقَلَاءِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُونَ حُمْقَى؛

لِأَنَّ مَنْ لَا يَرَى إِلَّا بِعَيْنِهِ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ مَنْ يَرَى بِعَقْلِهِ لَا يَرَى شَيْئًا.


وَلَيْسَ مُهِمًّا فِي النِّهَايَةِ كَيْفَ رَآكَ الجَاهِلُ.


المُهِمُّ أَنْ تَكُونَ، بَيْنَكَ وَبَيْنَ نَفْسِكَ، قَادِرًا عَلَى أَنْ تَقُولَ:


«رَاجَعْتُ نَفْسِي، فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا مَا أَخْجَلُ مِنْهُ، وَإِنْ وَجَدْتُ خَطَأً أَصْلَحْتُهُ، وَإِنْ وَجَدْتُ صَوَابًا تَمَسَّكْتُ بِهِ، وَتَرَكْتُ لِلأَيَّامِ مَا عَجَزَتْ عَنْ إِثْبَاتِهِ الخُصُومَاتُ.»


فَهُنَا يَسْكُنُ العَقْلُ حَقًّا.


وَهُنَا تَسْقُطُ أَحْكَامُ الجَاهِلِينَ عَلَى عَتَبَةِ الزَّمَنِ.



وَهُنَا يَبْقَى الإِنْسَانُ… لَا كَمَا وَصَفَهُ الآخَرُونَ، بَلْ كَمَا بَنَاهُ عَقْلُهُ، وَضَمِيرُهُ، وَمَوَاقِفُهُ

تعليقات