📁عاااااااااجل

بين «بروفيسور الهبد» و«أرض العميان»... حين تصبح الكتابة مرآة للواقع

 

بين «بروفيسور الهبد» و«أرض العميان»... حين تصبح الكتابة مرآة للواقع

بقلم الكاتب/ سيد جلال الفرماوي




هناك كتب نكتبها من الخيال...

وهناك كتب نكتبها لأن الواقع نفسه أصبح أغرب من الخيال.

وعندما أنظر إلى كتابي «بروفيسور الهبد» و**«أرض العميان»**، أشعر أنني لم أكتب مجرد روايتين، بل حاولت أن أضع أمام القارئ مرآتين؛ واحدة تضحكه على ما يحدث حوله، وأخرى تجبره على النظر إلى الوجه الآخر للحقيقة.

«بروفيسور الهبد» رواية كوميدية ساخرة، لكنها في حقيقتها ليست مجرد محاولة لإضحاك القارئ.

هي رحلة داخل عالم أصبح فيه الكلام أحيانًا أهم من العلم، والشهرة أهم من المعرفة، ومن يملك القدرة على إقناع الناس بأي شيء قد يصبح خبيرًا، وأستاذًا، وربما «بروفيسورًا» دون أن يعرف أحد: ماذا قال؟ وكيف قاله؟ ولماذا صدقه الناس؟

في عالم «بروفيسور الهبد» يصبح الهبد صناعة لها جمهور، ولها مريدون، ولها سوق.

والأخطر من ذلك أن الإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عما يوافق ما يريد تصديقه.

أما «أرض العميان» فهي تأخذنا إلى مساحة أكثر قتامة.

مدينة نعيش فيها، لكننا لا نرى.

نفتح أعيننا كل يوم، ومع ذلك قد نكون أكثر عُميانًا من أي وقت مضى.

نرى الظلم ولا نتدخل، نرى الخطأ ونصمت، نرى الحقيقة ونختار تجاهلها، ونركض خلف الحياة حتى نكتشف أننا قضينا أعمارنا نحاول أن نعيش أطول، بينما كنا في الحقيقة نقترب من الموت أكثر.

في «أرض العميان» لم يكن العمى مجرد فقدان للبصر...

بل كان رمزًا لفقدان القدرة على رؤية الحقيقة.

وهنا يلتقي الكتابان رغم اختلافهما.

«بروفيسور الهبد» يضحكك على الواقع، و«أرض العميان» يجعلك تخاف منه.

الأول يسألك:

كيف أصبح الهبد علمًا؟

والثاني يسألك:

ماذا لو أصبح العمى عن الحقيقة هو الطبيعي، وأصبح من يرى هو الغريب؟

أنا أحب أن أكتب من الواقع.

ولهذا أطلقت على نفسي «كاتب الواقعية».

لا أبحث عن عوالم بعيدة، ولا أحتاج إلى أحداث خارقة حتى أصنع حكاية.

يكفيني أن أنظر حولي.

في الشارع قصة.

في العمل قصة.

في العلاقات قصة.

في مواقع التواصل قصة.

وفي الإنسان نفسه آلاف القصص التي لم تُكتب بعد.

قد أضحك وأنا أكتب، لكنني أعرف أن خلف الضحكة سؤالًا.

وقد أكتب مشهدًا مظلمًا، لكنني أبحث داخله عن نافذة للضوء.

فالكتابة بالنسبة لي ليست مجرد حروف تُرتب على الورق...

الكتابة موقف.

وكل كتاب أكتبه هو محاولة لفهم شيء لم أفهمه بعد، أو سؤال ظل يطاردني، أو حقيقة رأيتها ولم أستطع تجاهلها.

وربما لهذا السبب جاءت كتبي مختلفة في الشكل، لكنها متشابهة في الروح.

أنا لا أكتب لأقول للقارئ: أنا أعرف وأنت لا تعرف.

بل أكتب لأقول له:

تعال نفكر معًا.

تعال نضحك قليلًا على هذا العالم، ثم نتوقف فجأة لنسأل أنفسنا:

هل نحن جزء من المشكلة؟

هل صدقنا كل ما قيل لنا؟

هل أصبحنا نردد الكلام دون أن نبحث عن الحقيقة؟

وهل نعيش فعلًا... أم أننا فقط نحاول أن نبدو أحياء؟

بين «بروفيسور الهبد» و**«أرض العميان»** أقدم تجربتين مختلفتين في الشكل، لكنهما تلتقيان في شيء واحد:

الإنسان.

الإنسان الذي يصدق، ويكذب، ويضحك، ويخاف، ويبحث عن الحقيقة، ثم يهرب منها عندما تكون مؤلمة.

ولهذا أكتب.

لأنني مؤمن أن الكاتب الحقيقي ليس من يملك كل الإجابات...

بل من يملك الجرأة على طرح الأسئلة التي يخاف الآخرون من طرحها.

أنا سيد جلال الفرماوي... كاتب الواقعية.

أكتب ما أراه، وما أشعر به، وما يحدث حولنا.

وقد أضحكك في كتاب...

وقد أخيفك في كتاب آخر...

لكنني في النهاية أريد شيئًا واحدًا:

أن تغلق الكتاب، وتظل الفكرة مفتوحة داخلك.

تعليقات